جون بليندر

بعد الصدمات المتتالية بسبب جائحة كورونا، والتراجع عن العولمة الذي أشعله اندلاع الحرب الطويلة بين روسيا وأوكرانيا، ثم إقدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على فرض التعريفات الجمركية، تأتي الحرب الإيرانية ككابوس اقتصادي جديد.

يحدث ذلك، رغم أن رد فعل سوق النفط على اضطراب الإمدادات الحاد كان ضعيفاً حتى الآن، فحتى بعد ارتفاعه الأولي، استقر سعر النفط في منتصف الأسبوع عند ثلثي ذروته البالغة 128 دولاراً التي سُجّلت في عام 2022.

وفي الوقت نفسه، لم يصل الخوف من التضخم في الأسواق إلى حد الذعر. لذا، السؤال المطروح هو: هل يتجاهل المستثمرون عن طيب خاطر خطر الركود التضخمي الوشيك؟

إن هذه الصدمة الجديدة في الإمدادات التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي تختلف في جانبين مهمين ومقلقين عن جميع الصدمات التي شهدناها منذ عام 1945:

أولهما أن الدين العام وصل إلى مستويات غير مسبوقة في زمن السلم. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يتجاوز الدين السيادي العالمي نسبة مذهلة تبلغ 100 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية هذا العقد. وبالتالي، تتضخم التكلفة المالية لمعالجة التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الفائدة، مما يزيد من أعباء فوائد القروض الحكومية.

ويشير جيفري فرانكل من جامعة هارفارد إلى أن الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة تنفق حالياً على الفوائد أكثر مما توجهه إلى الإنفاق الدفاعي أو الإنفاق التقديري غير الدفاعي، حيث تُقدر هذه النسبة بنحو 3.2 % من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026. كما تواجه اقتصادات متقدمة أخرى وضعاً مشابهاً أو تتجه نحوه.

والسمة السياسية والاقتصادية الأخرى الخطيرة للأزمة الحالية هي التفاقم الأخير لنهج العجز - أي ميل الحكومات إلى زيادة الإنفاق وخفض الضرائب بغض النظر عن حالة الدورة الاقتصادية. وهو ميل يزداد ضرره في عالم يتسم بانخفاض النمو الاقتصادي، وتزايد عدم الاستقرار الجيوسياسي، والتوسع العسكري.

وفي دراسة حديثة أجريت على المالية العامة لعشرين دولة خلال الفترة من 1870 إلى 2022، وجد يوهانس مارزيان وكريستوف تريبيش أنه عندما تعيد المجتمعات تسليح نفسها، فإنها تواجه معضلة المفاضلة بين الإنفاق الدفاعي والبرامج وتنتهي إلى زيادة الدين العام والإنفاق العام والضرائب. وخلصا إلى أن الصدمات الجيوسياسية الكبيرة في الحرب والسلم تؤدي إلى توسع مالي مستدام.

ويزيد التغير الديموغرافي من الضغط، حيث تؤدي شيخوخة السكان إلى زيادة الالتزامات المالية الأساسية كالمعاشات التقاعدية والرعاية الصحية، في حين يتعين تغطية التكاليف الناتجة عبر استخدام قوة عاملة متقلصة.

في الوقت نفسه، يشهد العالم الآن أفول النزعة المحافظة المالية في السياسة. وفي الوقت الراهن، لا يمكن تطبيق الحلول المالية الضرورية، وإن كانت غير مستساغة، على الناخبين إلا بتوافق الأحزاب.

وإلا، فإن هذه الأحزاب ستقع في المعضلة المألوفة التي وصفها رئيس المفوضية الأوروبية السابق جان كلود يونكر بوضوح: «نعرف جميعاً ما يجب فعله، لكننا لا نعرف كيف سنتمكن من الفوز بالانتخابات بعد أن نفعله».

وتُظهر العملية الانتخابية الرئاسية الأمريكية بوضوح مخاطر المحافظة المالية. فقد حقق الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون فوائض في الميزانية بين عامي 1998 و2001، لكن الذي استغلها هو خليفته الجمهوري جورج دبليو بوش من خلال التصرف بسخاء في تخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق العسكري.

وستتفاقم المشاكل السياسية المتعلقة بالديون والعجز مع صعود الأحزاب الشعبوية. ويُعد الخلاف بين إيمانويل ماكرون وحزب التجمع الوطني بزعامة مارين لوبان حول رغبة الرئيس الفرنسي في رفع سن التقاعد الحكومي مؤشراً واضحاً لما هو قادم.

وبينما تبقى التوقعات بشأن مدة الحرب الإيرانية وتأثيرها على الطاقة غير مؤكدة، فإن المستويات القياسية للدين العام وتزايد التحيز نحو العجز أمران واقعيان للغاية، ويزيدان من خطر التضخم.

ومن العوامل المحتملة الدافعة لذلك، تمويل الإنفاق الحكومي مباشرةً من خلال إصدار النقود، عبر تمويل الديون. وهناك أيضاً ما يُسمى بالهيمنة المالية، حيث تُعطي البنوك المركزية الأولوية لتمويل الديون الحكومية قصيرة الأجل على حساب السيطرة على التضخم.

وقد يعود ذلك إلى خشيتهم من أن يؤدي رفع أسعار الفائدة إلى قلق المستثمرين بشأن استدامة وضع خدمة الدين الحكومي، أو إلى تقليص الحكومات لاستقلاليتهم.

ثمة تهديد آخر يتمثل في ما يسمى بـ«القمع المالي» الذي استُخدم بعد الحرب العالمية الثانية لخفض الدين العام. ويترتب عليه ذلك إجبار المؤسسات المالية والمدخرين على قبول أسعار فائدة أقل من أسعار السوق على سندات الدين الحكومية.

في الوقت الراهن، يبدو المستثمرون غير مكترثين بشكل ملحوظ باستدامة الدين السيادي. ولكن في غياب أي أفق للعودة إلى ضبط الإنفاق، سيُوقف حاملو السندات في نهاية المطاف إعادة تمويل الدين الحكومي إلى أجل غير مسمى.