لكن الآن، وبينما تسعى نيودلهي إلى وضع اللمسات الأخيرة على تفاصيل اتفاقية تجارية مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، فإنها تسعى في الوقت نفسه إلى تنويع رهاناتها.
أعلن مودي أن اتفاقية الاتحاد الأوروبي ستعزز الاستقرار في النظام الدولي في وقت يشهد فيه النظام العالمي اضطرابات عميقة.
وخلال زيارتها لنيودلهي، أشادت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بالاتفاقية ووصفتها بأنها «أم الاتفاقيات».
كما تشهد الهند مواجهة حادة مع البيت الأبيض طوال معظم فترة ولاية ترامب الثانية، ويرزح مصدروها تحت وطأة التعريفة الجمركية البالغة 50% التي فرضتها واشنطن في نهاية أغسطس لإجبار الهند على خفض مشترياتها من النفط الروسي.
وحتى رفض المحكمة العليا الأمريكية لمعظم تعريفات ترامب الأسبوع الماضي لم يُخفف من حدة الوضع، بل زاد من حالة عدم اليقين.
ورداً على سؤالٍ مُحدد حول تأثير قرار المحكمة على اتفاقية تجارية مبدئية مع الهند، تم التوصل إليها قبل أسابيع قليلة، قال ترامب: «لن يتغير شيء، سيدفعون الرسوم الجمركية، ولن ندفعها نحن».
حيث تتطلع الهند إلى تعميق علاقاتها مع مجموعة كبيرة من الدول خاصة الإمارات واليابان وكندا والبرازيل والاتحاد الأوروبي، في ما يصفه المحللون بأنه رد فعل مباشر على تقلبات الإدارة الأمريكية.
ويقول تشودري: «لعقود، كانت الهند من أشد المدافعين عن عالم متعدد الأقطاب، ودافعت عن هذا المفهوم كحل نظري للهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة والصين. واليوم، تواجه نيودلهي تحدياً كبيراً يتمثل في تطبيق هذا الخطاب عملياً ضمن واقع عالمي بات يواكب طموحاتها».
يقول براهمة تشيلاني، المتخصص في الشؤون الخارجية، في إشارة إلى الولايات المتحدة والصين: «تتبنى الهند «نهجاً ثالثاً» من خلال بناء شبكة من الشراكات بين قوى متوسطة توفر الاستقرار دون تقلبات مجموعة الدولتين.
ويشمل ذلك إعادة تموضع الاتحاد الأوروبي باعتباره الركيزة الاقتصادية والتكنولوجية الأكثر استقراراً، والتي تأمل من خلالها بناء سلاسل إمداد لا تعتمد على أمريكا ولا تهيمن عليها الصين».
«إن الهند تُرسّخ جغرافيا اقتصادية أكثر استقلالية. إنها تُشيّد شبكة، وُتعزّز تدريجياً قدراتها على مواجهة عدم إمكانية التنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة والإكراه الصيني».
وكان مشروع اتفاقية مع الولايات المتحدة، أكبر شريك تجاري للهند، مطروحاً للنقاش ومُغلقاً أمام التوقيع منذ منتصف عام 2025.
وبشكل عام، وافقت دلهي على خفض تعريفاتها الجمركية على معظم السلع الصناعية الأمريكية مقابل استثناء من المنافسة الأمريكية في أسواقها الضخمة والمحمية من الحبوب ومنتجات الألبان. إلا أن التوصل إلى اتفاق ظل بعيد المنال حتى مطلع هذا العام وسط خلافات حادة حول عدة قضايا.
وقد تفاخر ترامب بأنه توسط في وقف إطلاق النار في النزاع العسكري القصير الذي نشب العام الماضي بين الهند وباكستان، وهو ادعاء نفته حكومة مودي بشدة.
تُعتبر الاتفاقية في مجملها غير مواتية للهند، كما هي الحال في اتفاقيات ترامب التجارية غير المتكافئة مع دول آسيوية أخرى، والتي تم الاتفاق عليها تحت ضغط التهديدات بفرض رسوم جمركية. سينخفض العبء الجمركي الأمريكي على الهند من 50% إلى 18%.
بينما ستدخل معظم السلع الصناعية الأمريكية إلى الهند برسوم جمركية صفرية أو قريبة منها. كما أعلنت الهند عزمها شراء سلع من الولايات المتحدة بقيمة 500 مليار دولار على مدى خمس سنوات، أي ما يقارب ضعف وارداتها الحالية.
وإضافة إلى التنازلات التي قدمتها الهند في الاتفاق، حذرت الولايات المتحدة من أنها ستراقب ما إذا كانت الهند ستستأنف شراء النفط الروسي، وستعيد فرض الرسوم الجمركية في حال فعلت ذلك.
«تعكس استراتيجية الهند تحولاً أوسع نطاقاً بين القوى المتوسطة في الجنوب العالمي نحو تقليل الاعتماد المفرط على أي قوة عظمى منفردة، في ظل سلوك كل من الولايات المتحدة والصين الذي يتجه نحو مزيد من المصالح المتبادلة».
وسيكون أول لقاء يقوم به زعيم كندي إلى الهند منذ الأزمة الدبلوماسية الحادة التي شهدتها العلاقات عام 2023 على خلفية اغتيال هارديب سينغ نيجار، أحد قادة الشتات السيخ، قرب فانكوفر. وكانت السلطات الكندية قد زعمت تورط دلهي في عملية الاغتيال.
كما استضافت أكبر وفد لها على الإطلاق من البرازيل، ضم أكثر من 200 رجل أعمال، خلال زيارة دولة قام بها الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا الأسبوع الماضي. وقد ترأس مودي قمتين بعنوان «صوت الجنوب العالمي»، ومن المقرر أن يستضيف هذا العام قادة مجموعة بريكس المكونة من 11 دولة.
والتي تضم أيضاً البرازيل والصين وروسيا. ويقول سيلسو أموريم، كبير مستشاري لولا للشؤون الخارجية: «من المهم أن تقود الرئاسة الهندية لمجموعة بريكس هذا النقاش حول العالم الراهن وكيفية تغييره. جميعنا نرغب في إقامة علاقات متنوعة وعدم الاعتماد على أي دولة بعينها».
