بيتر فوستر
يرى محللون دوليون وخبراء قانونيون أنه من غير المرجح أن تتراجع الحكومات حول العالم عن الاتفاقيات التجارية الموقعة مع دونالد ترامب خلال العام الماضي، رغم قرار المحكمة العليا الأمريكية الذي قضى بعدم قانونية العديد من التعريفات الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة.
ولم تتأثر قطاعات مثل السيارات والصلب بقرار المحكمة العليا. ومن المتوقع ألا تتراجع الدول عن الاتفاقيات المبرمة خشية من ردود فعل انتقامية من جانب إدارة ترامب المتقلبة، إلى جانب المخاوف من استخدام النفوذ الأمريكي في مجالات أخرى كالدفاع والأمن.
وقال أندرو ويلسون، نائب الأمين العام لغرفة التجارة الدولية، إنه على الرغم من أن قرار المحكمة أثار تساؤلات جوهرية حول مدى استدامة اتفاقيات ترامب، إلا أنه لا يعني أنها معرضة لخطر الانهيار الوشيك. وأضاف: «من خلال متابعة ردود أفعال حكومات مختلفة حول العالم، لا نتوقع أن نرى تراجعاً لأي جهة عن الاتفاقيات التي تم توقيعها في الأشهر الأخيرة».
منذ عودته إلى البيت الأبيض، وقّع ترامب سلسلة من اتفاقيات ما يُسمى بـ«التعريفات الجمركية المتبادلة»، التي تفرض رسوماً شاملة تتراوح بين 15 و20 % على معظم الدول التي تُصدّر إلى الولايات المتحدة سلعاً أكثر مما تستورده منها.
ويوم الجمعة، قضت المحكمة العليا الأمريكية بعدم قانونية التعريفات الجمركية المفروضة بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، لكن التعريفات الأخرى المفروضة على السيارات والصلب، التي استندت إلى أساس قانوني مختلف، لا تزال سارية.
وبعد صدور الحكم، رد ترامب سريعاً باستخدام تشريع آخر؛ المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، لفرض تعريفات جمركية بنسبة 10 % على جميع السلع، مع العلم أن هذه التعريفات لا تسري إلا لمدة 150 يوماً دون موافقة إضافية من الكونغرس الأمريكي. ويوم السبت، أعلن عزمه رفع الرسوم إلى 15 %.
وعلى الرغم من حالة عدم اليقين القانوني الجديدة، وحقيقة أن العديد من الدول يمكن أن تدفع الآن تعريفات جمركية أقل، يرى المحللون أن الاتفاقيات القائمة من غير المرجح أن تنهار، مع احتمال تأجيل بعضها لحين اتضاح الصورة القانونية. وقال سيمون إيفينيت، أستاذ الجغرافيا السياسية والاستراتيجية في كلية إدارة الأعمال «آي إم دي» في لوزان بسويسرا، إن الحكم لم يقلل من الأدوات المتاحة للإدارة الأمريكية، بل استبدل ببساطة مجموعة من التهديدات بأخرى.
وكتب في تدوينة: «بالنسبة للدول التي تُجري حالياً مفاوضات مع الولايات المتحدة، أو التي لديها اتفاقيات مؤقتة سارية، مثل سويسرا، فإن التهديد بفرض تعريفات جمركية عالية بعد انقضاء فترة الـ150 يوماً يُبقي الضغط لتقديم تنازلات، بل وربما يزيده. وعموماً، لا نتوقع تغييراً يُذكر».
ومن المتوقع أن تزيد الطبيعة غير التقليدية لاتفاقيات ترامب التجارية، التي يشار إليها أحياناً بـ«اتفاقيات المناديل»، حيث يتم الاتفاق على بنودها الرئيسية على عجل ثم تفصّل في مفاوضات لاحقة من حالة عدم اليقين.
وقال محللون إن إتمام الاتفاقيات التي جرى إبرامها أخيراً، مثل الاتفاقية الأمريكية الهندية التي أُعلن عنها هذا الشهر، وخفّض فيها ترامب التعريفات الجمركية على البضائع الهندية من 50 % إلى 18 %، قد يسير ببطء الآن، حيث تحاول الحكومات تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الصعوبات القانونية التي يواجهها ترامب. وقد أصدرت وزارة التجارة الهندية بياناً مقتضباً عقب صدور الحكم، قائلة إنها «تدرس جميع هذه التطورات»، بينما بدا أن ترامب قد وجّه تحذيراً إلى نيودلهي يوم الجمعة عندما سئل عن الاتفاق مع الهند، إذ قال: «لا شيء تغير».
وقال براتيك داتاني، مؤسس مركز أبحاث «بريدج إنديا»، إن الحكم قد يمنح الهند مجالاً للتريث في المفاوضات، ربما في انتظار طعن قانوني في الرسوم الجمركية الجديدة، أو تغيير في ميزان القوى في الكونغرس الأمريكي بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. وهذا الأمر يحسّن موقف التفاوض للشركاء التجاريين كالهند، ويعزز رواية «ترامب دائماً ما يتراجع».
وخلال زيارة إلى نيودلهي يوم الأحد، صرح الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا للصحافيين بأنه «مرتاح لأنه لم يتسرع في اتخاذ القرارات» عند توقيع اتفاقية تجارية مع الولايات المتحدة، مضيفاً أنه يرغب في التحدث إلى ترامب «شخصياً». وقال لولا إن أحدث موجة من الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب «خففت العبء عن العديد من الدول التي كانت تُفرض عليها سابقاً رسوم بنسبة 50 أو 40 بالمئة»، مضيفاً أن هذه الرسوم «ستصبح الآن 15 بالمئة».
وكان ترامب قد فرض في البداية رسوماً جمركية بنسبة 40 بالمئة على البرازيل، التي تعاني من عجز تجاري مع الولايات المتحدة، قبل أن يتم لاحقاً رفع الحظر عن بعض المنتجات الزراعية البرازيلية، بما في ذلك البن ولحوم الأبقار والفواكه. وقد رفعت الرسوم الأولية، بالإضافة إلى رسوم مماثلة بنسبة 10 بالمئة، النسبة الإجمالية إلى 50 بالمئة، ما أشعل فتيل أسوأ أزمة دبلوماسية في الذاكرة الحديثة بين أكبر دولتين في الأمريكتين.
ويتوقع المحللون أن يحد الخوف من الرد الأمريكي من محاولة التراجع عن الاتفاقيات المبرمة، كتلك المبرمة مع الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية. وقد فُرضت تعريفات ترامب الجمركية على الصلب والسيارات وأشباه الموصلات والسلع الطبية باستخدام المادتين 232 و301 من قانون التجارة الأمريكي، وهما أداتان قانونيتان لا تزالان متاحتين للإدارة لمعاقبة الشركاء الذين يحاولون التملص من التنازلات التي قدموها بالفعل.
وسيجتمع البرلمان الأوروبي، اليوم الاثنين، لمناقشة تأجيل التصديق على ما يسمى باتفاقية تيرنبيري، وهي اتفاقية بين بروكسل وواشنطن العام الماضي فرضت تعريفة جمركية بنسبة 15 % على معظم السلع الأوروبية المستوردة إلى الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من بعض المعارضة للاتفاقية، قال نيكولاس كولر- سوزوكي، مستشار التجارة والأمن الاقتصادي في معهد جاك ديلور، إنه يتوقع أن تبقى اتفاقية الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سارية المفعول بسبب التهديد بـ«الردع البديل». ويكمن الخطر في التهديدات القانونية البديلة، وتحديداً الرسوم الجمركية على السيارات.
وأضاف إيفينيت إنه بينما تواصل الولايات المتحدة مساعيها للتوسط في اتفاق سلام بين موسكو وكييف، يتعين على أوروبا أيضاً أن تقيّم خطر سحب ترامب للدعم الأمني لأوكرانيا، وهو عامل رئيسي في قرار بروكسل الأصلي بتوقيع اتفاقية تيرنبيري رغم المعارضة السياسية.
ويعكس رد الفعل الهادئ في آسيا واقعاً مشابهاً تواجهه دول مثل كوريا واليابان، حيث تتعرض قطاعات السيارات فيها بشدة لخطر الرد الانتقامي. ومع ذلك، حذرت آلي رينيسون، المسؤولة السابقة في وزارة التجارة البريطانية التي تعمل حالياً في شركة الاستشارات «إس إي سي نيوجيت»، من أنه في حين احتفظت الولايات المتحدة بنفوذها في المحادثات التجارية الجارية، فإن واشنطن ستحتاج الآن إلى توخي المزيد من الحذر.
وأضافت: «يأمل البيت الأبيض أن يسهم نهج الرئيس ترامب غير المتوقع في العلاقات الخارجية في إبقاء محاولات إعادة التفاوض بعيدة، لكن ذلك سيعتمد أيضاً على قيام واشنطن بإحياء مهاراتها الدبلوماسية».
