هاكيونغ كيم

اتسمت العناوين الرئيسة المتعلقة بالدولار الأمريكي أخيراً بكثير من التشاؤم. ويرى العديد من المراقبين أن ضعف الدولار يعود إلى انهيار النظام الاقتصادي القديم الذي يتمحور حول الدولار.

ولفت روبن بروكس، من معهد بروكينغز، إلى أننا نشهد تغييراً في النظام، وهو ما يؤكده، على سبيل المثال، عدم تأثر العملة بتقرير الوظائف لشهر يناير الذي جاء أقوى من المتوقع الأسبوع الماضي.

لقد ظل الدولار ثابتاً، وهو أمر لافت للنظر بالنظر إلى ارتفاع أسعار الفائدة. فمنذ عام 2014 دفعت المفاجآت الإيجابية في البيانات الاقتصادية الدولار إلى الارتفاع، لكن لم يكن هذا هو الحال دائماً، ففي السنوات التي أعقبت أزمة 2008، استخدم الاحتياطي الفيدرالي برامج تيسير كمي متعددة للحد من عوائد سندات الخزانة.

وقد دفع هذا الأسواق إلى بيع الدولار عندما جاءت البيانات إيجابية بشكل مفاجئ، لأن الأسواق اعتقدت أن المفاجآت الإيجابية - مع تصرف الاحتياطي الفيدرالي بهذه الطريقة - تدفع أسعار الفائدة الحقيقية إلى الانخفاض.

ومع كل الضغوط السياسية على الاحتياطي الفيدرالي، أرى أننا نعود إلى هذه العلاقة العكسية، حيث يُنظر إلى الاحتياطي الفيدرالي على أنه مُسيّس بشكل متزايد، مما يدفع الأسواق إلى بيع الدولار عند صدور بيانات قوية. لكننا لا نقتنع بهذا، فالعملة تتصرف تماماً كما هو متوقع، بالنظر إلى توقعات أسعار الفائدة، وحالة الاقتصاد الأمريكي، وحاجة المستثمرين العالميين إلى التحوّط ضد تقلبات الدولار.

وتتزايد توقعات المتداولين بخفض أسعار الفائدة ثلاث مرات من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام. وكما يشير إلياس حداد، من براون براذرز هاريمان، فإن هذا يفسر الاستقرار الجانبي للدولار منذ يونيو الماضي. يبقى مدى واقعية خفض أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس أمراً قابلاً للنقاش. ومن جانبنا فإننا نراهن على أقل من ثلاث مرات. وبقبول هذا التوقع فإن سلوك الدولار منطقي.

وقد تقلصت فروق العائد قصيرة الأجل بين الولايات المتحدة والاقتصادات المتقدمة الأخرى بشكل ملحوظ. وترى فريا بيميش، من «تي إس لومبارد»، أن نظرية «ابتسامة الدولار» التقليدية يمكنها تقديم تفسير جيد لهذه الأوقات.

وللتذكير يشير نموذج «ابتسامة الدولار» إلى أنه عندما يتفوق الاقتصاد الأمريكي بشكل ملحوظ على بقية العالم ترتفع قيمة العملة مع تدفق رؤوس الأموال إلى البلاد للاستفادة من هذا النمو. أما عندما يكون أداء الولايات المتحدة ضعيفاً، فهذا يعد خبراً سيئاً للجميع، لذا يلجأ المستثمرون إلى شراء الدولار كملاذ آمن، مما يدفع الدولار الأمريكي للارتفاع مجدداً.

وفقط في الحالة المتوسطة، عندما يكون أداء الولايات المتحدة مقبولاً، يبدأ الدولار بالضعف.

وتعتقد فريا بيميش أننا نعيش حالياً في قلب «ابتسامة الدولار»، حتى مع استمرار النمو الأمريكي بشكل جيد.

ويعد فارق النمو مع ألمانيا، على سبيل المثال، هو الأصغر منذ فترة طويلة جداً، حوالي 15 عاماً. لذا من منظور التقييمات وتدفقات رؤوس الأموال، يُعدّ هذا الأمر أكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لي. هذا قبل التطرق إلى جميع أنواع التغيرات الهيكلية الأخرى التي تحدث في الولايات المتحدة.

والحديث عن «التغييرات الهيكلية» هو تعبير مهذب للإشارة إلى المخاوف الاقتصادية الكلية الناجمة عن استراتيجية إدارة ترامب الجيوسياسية المتقلبة وضغوطها على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما أدى إلى تقويض الثقة في الاقتصاد الأمريكي، على الرغم من النمو القوي.

ويتوافق هذا مع وجهة نظر روبن بروكس، حيث يرى هو وفريا بيميش أن سياسة الإدارة تُضعف الدولار. لكن الفرق يكمن في أن بروكس يرى تغييراً في أنظمة الارتباط، بينما ترى بيميش أن السياسة تعيق الثقة الاقتصادية في الولايات المتحدة.

وبالمناسبة فإننا لم نؤمن قط بوجود استراتيجية «بع أمريكا». فقد ارتفعت تدفقات الاستثمار إلى الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية العام الماضي على الرغم من «يوم التحرير» وغيره، كما أن استبدال الدولار بالكامل كعملة احتياط عالمية يبدو أمراً بعيد المنال. لكن المستثمرين يُحكمون قبضتهم على انكشافاتهم على الدولار بشكل أكبر، وهو ما يُضعف العملة بشكل طفيف.

وكما توضح بيميش فقد أصبح نظام الدولار الآن أكثر عرضة لصدمات انخفاض القيمة بسبب طبيعة الصدمات «من إدارة ترامب» ولأن نسب التحوط انخفضت بشكل كبير على مر السنين عندما كان المستثمرون الأجانب يسعون إلى تحقيق عوائد.

وهم الآن في وضعٍ لا يستجيبون فيه بالضرورة فوراً عند تعرضهم لصدمة ببيع الأصول الأمريكية بالكامل أو محاولة تقليل استثماراتهم. بل يزيدون نسبة التحوّط، فيبقى لدى الوسيط مركز شراء بالدولار، ويبيع في سوق فورية لا يوجد فيها مشترٍ.

قد لا يكون ذلك بسبب قلة المحاولات، لكن إدارة ترامب لم تنجح في تغيير مكانة الدولار الأساسية في الاقتصاد العالمي. لا تزال العُجوزات الأمريكية وموازين التجارة والاستثمار مختلة على النحو الذي كانت عليه لسنوات. يبقى الدولار العملة التي لا غنى عنها. وسيتعين على أي تغيير بالنظام الانتظار حتى يتغير هذا الوضع.