جون بيرن ـ ميردوخ ـ سارة أوكونور

حتى الآن، تفترض معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي والوظائف أن أتمتة المهام ستؤدي إلى تقليل حجم العمل البشري؛ إما بفقدان وظائف، أو بزيادة الإنتاجية، ما يمنح العاملين مزيداً من وقت الفراغ، أو مزيج من الاثنين. 

لكن وسط تزايد التقارير عن الإرهاق الناتج عن الذكاء الاصطناعي، نتساءل عما إذا كان الذكاء الاصطناعي - على الأقل على المدى القصير - قد يؤدي إلى زيادة ساعات العمل، لا تقليلها؟.

ويلفت جون بيرن ـ ميردوخ إلى تواتر التقارير غير الرسمية عن معاناة العاملين في مجال التكنولوجيا والمجالات ذات الصلة من الإرهاق، حيث يكافحون للتأقلم مع وتيرة عمل جديدة بعد أن أصبحوا يقودون فرقاً من العاملين الرقميين الذين لا يكلون.

وقد تجلت هذه القصص بشكل أوضح في تقرير نشر في وقت سابق من هذا الشهر في مجلة «هارفارد بزنس ريفيو»، حيث عرض باحثان من جامعة كاليفورنيا في بيركلي نتائج دراستهما حول كيفية تغيير الذكاء الاصطناعي لعادات العمل في شركة تقنية أمريكية.

وقد لاحظ الباحثان زيادة في عدد ساعات العمل (التي امتدت إلى المساء والصباح الباكر) وكثافة العمل، إلى جانب اتساع نطاق المهام التي يتولاها الموظفون.

والمفارقة أن الشركات لم تطلب هذه التغييرات، بل لم تفرض استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مطلقاً، فقد حدثت التحولات السلوكية بشكل تلقائي. وحدد الباحثون ثلاثة عوامل رئيسية:

أولاً، أدت القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي لسد الثغرات في المعرفة الحالية إلى تولي الموظفين مسؤوليات أوسع وأكثر شمولاً، مثل قيام المديرين بكتابة برامج لحل المشكلات التي كانوا يُوكلونها سابقاً إلى جهات خارجية.

ثانياً، أدت سهولة بدء المهام الجديدة وإنجازها إلى قيام الموظفين بإنجاز أجزاء جديدة من العمل في أوقات الفراغ بين الاجتماعات أو في مهام أكبر كانت تعتبر سابقاً فترات راحة أو فرصاً للدردشة مع الزملاء.

ثالثاً، أدت القدرة على تفويض المهام إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى زيادة ملحوظة في تعدد المهام، حيث بدأ الموظفون بتنفيذ عدد من المهام وانتقلوا بينها ذهاباً وإياباً أثناء تقدمها.

ورغم أن كل خطوة على طول الطريق ربما كانت طوعية، إلا أن النتيجة الإجمالية كانت تحولاً غير مقصود إلى أسلوب عمل جديد سريع الوتيرة ومتواصل، مما ترك الكثيرين يشعرون بعدم الارتياح، فضلاً عن الإرهاق.

كما تنطوي هذه العملية على مخاطر جديدة، مثل ضعف القدرة على اتخاذ القرارات بسبب الإرهاق الذهني، أو تراكم «العجز المعرفي» عندما تنجز المشاريع المدعومة بالذكاء الاصطناعي الكثير من العمل بسرعة كبيرة بحيث يعجز العنصر البشري عن متابعة أدق تفاصيله.

ولذلك، يوصي باحثو بيركلي الموظفين والشركات باتخاذ خطوات تمكن من الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي دون تكبد تكاليفها.

فإذا كان الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي يستنزف فترات الراحة، فقد يلزم إعادة إدخالها في يوم العمل بشكل أكثر تنظيماً.

وقد يحتاج المديرون إلى الانتقال من التحقق من سير العمل بشكل جيد إلى التحقق من عدم تسارعه بشكل مفرط.

وفي سياق البرمجيات، تقترح أستاذة علوم الحاسوب الكندية مارغريت-آن ستوري أن موافقة العنصر البشري على أي تغييرات مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي قد لا تقتصر على تدوين ما تم تغييره فحسب، بل تشمل أيضاً كيفية التغيير، والأهم من ذلك، سببه، لضمان احتفاظ الفريق بفهم كامل للمشروع.

وبالنسبة لي، فقد استخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي الوكيل بكثرة منذ بداية العام - ولم يكن من الممكن كتابة العديد من المقالات الأخيرة لولا الجهود الدؤوبة لفريقي من وكلاء البحث العميق الذين يعملون على مدار الساعة لجمع مجموعات بيانات ضخمة (يتم فحصها يدوياً بالكامل) - وكانت التجربة مبهجة ومرهقة في آنٍ واحد.

بحسب تجربتي، فإن معرفة أن خمس دقائق إضافية من التواصل مع الذكاء الاصطناعي الوكيل كافية لإنجاز مهمة كانت ستستغرق مني ساعة أو أكثر، جعلتني أرغب فجأة في إنجاز مهمة أخرى، ثم أخرى، مع العودة دورياً لمتابعة تقدم كل منها بين رسائل البريد الإلكتروني والاجتماعات والكتابة.

مع نهاية يومي، يكون الوكلاء قد أنجزوا نصف عمل أسبوع، لكنني بدلاً من الشعور بالانتعاش، أشعر بالإرهاق الشديد من الإدارة والتنقل بين مهام متعددة، ولا يزال هناك إلحاح شديد لتفعيل فريق آخر من الباحثين الآليين قبل إغلاق الحاسوب المحمول ليلاً.

وقد شبه البروفيسور لويس غاريكانو، أستاذ كلية لندن للاقتصاد، هذا الشعور بنسخة من مفارقة جيفونز التي تشير إلى أن تحسن الكفاءة التكنولوجية في استخدام مورد معين، قد يؤدي إلى زيادة استهلاك هذا المورد من تقليله، فالعديد من المهام في قائمة أعمالك تبدو فجأةً ليست ممكنة فحسب، بل ضرورية للغاية، «وبدلاً من توفير الجهد، ترغب في العمل وقتاً أطول بكثير».

ولحسن الحظ، فقد تجاوزت الآن نسختي الخاصة من تلك المرحلة، لكن الضغط والإرهاق كانا حقيقيين للغاية، وأعتقد جازماً أنه في مجالات عمل أخرى قد يكون الخروج من هذا النمط أصعب.

من جانبها، تتفق سارة أوكونور على أن العمل المكتبي الاحترافي يسهل هذا النوع من السلوك بطريقة لا تنطبق بالضرورة على بيئات العمل الأخرى. في الواقع، أرى أن العمل المكتبي يتوسع باستمرار ليملأ الوقت المتاح (ويصعب أحياناً تحديد ما إذا كان ذلك يترجم إلى إنتاجية أعلى أم مجرد أعمال روتينية إضافية على المدى القصير).

ويختلف هذا تماماً عن بيئة عمل منظمة كالمصانع. في الماضي، كنت أطلق على هذا «مبدأ الحقيبة في العمل المكتبي»، لأنه يشبه كيفية ملء حقيبتك دائماً، سواء كنت مسافراً لأسبوع أو أسبوعين. انظر ماذا حدث عندما استبدل البريد العادي بالبريد الإلكتروني: فقد ازدادت مراسلات الناس بشكل ملحوظ.

أما بالنسبة لفكرة أن العمل أصبح أكثر إرهاقاً ذهنياً، فقد سمعت عن ظاهرة مماثلة تصيب موظفي مراكز الاتصال. كان العمل في مركز اتصالات دائماً مرهقاً، بالطبع. لكن مع تولي الذكاء الاصطناعي معالجة استفسارات العملاء الروتينية والمباشرة، أصبح العمل الذي لا يزال يسند إلى الموظفين أكثر تعقيداً وصعوبة، وأكثرها إرهاقاً عاطفياً.

من ناحية أخرى، قد يكون العمل أكثر تحدياً، لكن تلك المكالمات البسيطة كانت توفر لهم استراحة ذهنية وعاطفية، وهي استراحة اختفت الآن من يومهم.