مارتن وولف

في كتابهما الشهير «القنبلة البشرية»، الذي نُشر عام 1968، تنبأ بول وآني إيرليخ بأن البشرية تواجه خطراً وشيكاً بمجاعة جماعية. 

وقالا إن هذا التهديد سببه الانفجار السكاني. لكن اليوم، يشعر كثيرون، منهم نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، بالقلق الكبير من نقص السكان، مع انخفاض معدلات الخصوبة إلى ما دون معدل الإحلال.

لقد أخطأ آل إيرليخ بوضوح في توقعاتهم بشأن تلك المجاعة الوشيكة. فهل من الممكن أن يكون دعاة التخويف من الجانب الآخر للصورة مخطئين هم أيضاً؟ نعم.

فموقع «عالمنا في بيانات» يقدر أن عدد سكان العالم كان خمسة ملايين نسمة فقط قبل 12 ألف عام، و230 مليون نسمة في العام صفر، ومليار نسمة عام 1800، وثلاثة مليارات نسمة عام 1960، وثمانية مليارات نسمة اليوم.

أما بالنسبة للمستقبل، فتتوقع الأمم المتحدة أن يصل عدد سكان العالم إلى 10.2 مليارات نسمة عام 2100. من الواضح أن العالم لا يعاني من نقص في السكان.

فما المشكلة إذن؟ الإجابة تكمن في أن معدل الخصوبة في العديد من البلدان انخفض إلى ما دون مستوى الإحلال، وفي بعضها، كالصين، انخفض بدرجة أكبر من ذلك. ومن بين المناطق الرئيسية في العالم، يستثنى فقط جنوب آسيا وأفريقيا.

بشكل عام، كلما ازداد ازدهار المكان أو السكان، قلّ عدد المواليد. ولا يقتصر هذا على البلدان فحسب. ففي الهند، تحتل ولاية تاميل نادو المرتبة الثامنة من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ويبلغ معدل الخصوبة فيها 1.8، بينما تحتل ولاية بيهار المرتبة الرابعة والثلاثين من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ويبلغ معدل الخصوبة فيها 3.

وعموماً، تميل النساء الحاصلات على شهادات جامعية إلى إنجاب عدد أقل من الأطفال مقارنة بغير الحاصلات على شهادات جامعية. ما يعني باختصار أن الازدهار هو أقوى مانع للحمل على الإطلاق.

وكان هناك تفسير تناولته منذ أيام يتعلق بالتحول في دور المرأة. ولكن حتى هذا الأمر هو مجرد جزء من مجموعة أوسع من التغيرات. وهناك عاملان آخران مهمان أيضاً: التوسع الحضري والتعليم الجماعي. فالأول يدفع الناس إلى أماكن ترتفع فيها أسعار الأراضي نسبياً وبالتالي يزداد حجم الإنفاق. أما الثاني، فيحوّل الأطفال من أصول منتجة على المدى القصير إلى استثمارات مكلفة على المدى الطويل. وقد ينتقل الأبناء البالغون في إطار هذه العملية إلى أماكن بعيدة عن آبائهم.

كذلك، فإن الحداثة تخلق أسواق رأس المال، والمعاشات التقاعدية، وأنظمة الرفاه، وكلها أمور قد تأتي على حساب الإنفاق على الأطفال. وأخيراً، تخلق الحداثة خيارات إمتاع جديدة. ويمكننا ملاحظة آثار كل هذه التغيرات في بيانات عدد المواليد الجدد. إذن، هل ينبغي أن نقلق كثيراً بشأن احتمال انخفاض عدد السكان في أماكن عدة حول العالم، وربما في نهاية المطاف للبشرية جمعاء؟

لا، كما يعتقد الخبير الاقتصادي البريطاني اللورد أدير تيرنر، فمن الحجج الشائعة التي تُبرر كون انخفاض معدلات الخصوبة كارثة محتملة، هي أن «نسب الإعالة» سترتفع بشكل كبير. وهذا صحيح إذا قيست بالطريقة المعتادة، كنسبة الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً إلى أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و64 عاماً.

لكن هذا يتجاهل انخفاض نسبة الشباب، الذين يعتمد كثيرون منهم على غيرهم حتى بلوغهم العشرينيات. إجمالاً، سترتفع نسب الإعالة بشكل أقل بكثير، باستثناء الحالات القصوى لانخفاض الخصوبة. ويتجاهل هذا إمكانية عمل الناس لفترة أطول. ففي كوريا الجنوبية، بلغت نسبة العاملين من الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً 38% عام 2024، مقابل نسبة ضئيلة للغاية بلغت 4% فقط في فرنسا.

ويقول تيرنر إن ارتفاع الإنتاجية، الذي قد يتسارع بفعل الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يُقدّم حلاً لهذه المشكلة، فالناس يعملون ساعات أقل بكثير مما كانوا يعملون قبل قرنين من الزمان، نظراً لزيادة إنتاجيتهم بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه في عام 1800 مثلاً.

وبالتالي، كما يوضح تيرنر، انخفضت نسبة ساعات العمل المتاحة لمن هم فوق سن 15 عاماً في الدول ذات الدخل المرتفع بنسبة 60% منذ ذلك الحين، على الأقل. لكن الناتج الحقيقي للفرد ازداد 15 ضعفاً. وإذا استمر هذا الوضع، كما هو مرجح، فسيكون من السهل جداً التعامل مع أي زيادة طفيفة في نسبة الإعالة.

ويتخوف البعض أيضاً من أنه سيكون هناك «عدد قليل جداً من المبتكرين». وهذا هراء! لأنه من غير المتوقع أن ينخفض عدد سكان العالم قبل عام 2100. علاوة على ذلك، لدى العالم الآن قوة عاملة أكثر تعليماً، مع ازدياد مشاركة المرأة، وجني ثمار الذكاء الاصطناعي. كما أن الابتكار الجذري لطالما كان مدفوعاً بقلة من الناس.

كذلك، فإن عدد السكان اليوم يفوق أضعاف ما كان عليه قبل قرن أو قرنين، حين كان الابتكار مزدهراً. لذلك، من المهم للغاية توفير بيئة حاضنة للابتكار، ولا سيما دعم العلوم.

وبالنسبة للحديث المتكرر عن «العوائد الديموغرافية» التي يُفترض أنها تأتي من السكان الشباب، يشير تيرنر إلى أنه «لا يوجد دليل على أن الاقتصادات ذات معدلات الخصوبة المرتفعة باستمرار تنمو بشكل أسرع. بل على العكس من ذلك، فغالباً ما تؤدي معدلات الخصوبة المرتفعة باستمرار إلى كارثة ديموغرافية تتمثل في تباطؤ نمو الدخل وانتشار البطالة على نطاق واسع».

وتُعد الهند مثالاً يدعو لكثير من التأمل، حيث تُظهر بيانات البنك الدولي أنه على مدى العقدين الماضيين، ارتفع عدد السكان في سن العمل من 700 مليون إلى مليار نسمة، لكن وفقاً لتقرير «حالة العمل في الهند 2023» الصادر عن جامعة عظيم بريمجي، لا يُحتسب فعلياً سوى 490 مليوناً منهم ضمن القوى العاملة.

ومن بين هؤلاء، كما يقول تيرنر، 113 مليوناً فقط يكسبون أجراً منتظماً خارج الزراعة، وبالكاد 60 مليوناً يعملون في «القطاع المنظم»، حيث تستخدم الشركات بالفعل أحدث التقنيات. وهكذا، فقد خلق تزايد عدد سكان الهند، للأسف «بحراً من البطالة المزمنة حول جزيرة من الازدهار». وفي معظم أنحاء أفريقيا، يعتبر الوضع أسوأ.

علاوة على ذلك، يفرض تزايد عدد السكان تكاليف باهظة، ليس فقط على الصعيد البيئي العالمي، بل على الصعيد المحلي أيضاً. وتشمل هذه التكاليف الارتفاع الكبير في أسعار الأراضي الحضرية، وبالتالي أسعار المساكن في العديد من البلدان (وهو ما يفسر لاحقاً انخفاض معدلات المواليد). في الواقع، يتفاقم التنافس على «السلع الأساسية» النادرة بطبيعتها مع تزايد عدد السكان، وبالتالي يجب أن يتحسن الوضع في حال حدوث العكس.

إذن، نستنتج أنه لا يوجد سبب وجيه للمبالغة في الخوف من انخفاض عدد السكان. صحيح أن الانهيار الذي تنبئ به معدلات الخصوبة الأقل من واحد سيكون إشكالياً، لكن معدل خصوبة يبلغ 1.5 أو أكثر يُعدّ قابلاً للتطبيق تماماً، مع قليل من التخطيط المسبق الدقيق.