سايمون موندي
جاءت ورقة بحثية نشرها منذ أيام علماء بجامعة إيموري الأمريكية لتدعم مجموعة متزايدة من الأدلة التي تشير إلى أن الجسيمات المنبعثة من عوادم السيارات ومحطات توليد الطاقة مرتبطة بارتفاع معدلات الإصابة بمرض الزهايمر (إلى جانب مجموعة واسعة من الأمراض الأخرى التي تهدد الحياة).
في المقابل، تتراجع بانتظام جهود الحكومة الأمريكية لمعالجة هذه المشاكل، حيث تتسم حملة إدارة ترامب لإلغاء القيود البيئية برفضها للأدلة العلمية المتعلقة بتغير المناخ، والتي يصفها الرئيس الأمريكي بأنها «خدعة». وقال ترامب: «لا تقلقوا، لأن الأمر لا علاقة له بالصحة العامة. لقد كانت هذه كلها عملية احتيال، عملية احتيال ضخمة».
لقد أعلن الرئيس الأمريكي إلغاء «قرار تحديد الخطر»، وهو قرار صدر عام 2009 وألزم الحكومة بتنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري حفاظاً على الصحة العامة والرفاهية. وتصوّر إدارة ترامب هذا الأمر على أنه مجرد تصحيح لتجاوزات الديمقراطيين وتهويلهم بشأن تغير المناخ، مؤكدة التزامها بتوفير هواء ومياه نظيفة وآمنة للشعب الأمريكي. لكن هذه ليست سوى حلقة أخرى في حملة مكثفة لإلغاء القيود البيئية، وهو ما يثير مخاطر واضحة على الصحة العامة، وفي الوقت نفسه يفاقم من المخاطر السياسية على الحزب الجمهوري.
يذكر أن رئيساً جمهورياً آخر، هو ريتشارد نيكسون، كان من وقّع قانون الهواء النظيف لعام 1970 لمعالجة تلوث الهواء الخطير، وأنشأ وكالة حماية البيئة لإنفاذه. وفي عام 2007، قضت المحكمة العليا الأمريكية بأن صلاحيات وكالة حماية البيئة التنظيمية تشمل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري مثل ثاني أكسيد الكربون، إذا كان من المتوقع بشكل معقول أن تُعرّض الصحة العامة أو الرفاهية للخطر، وأن على الوكالة تحديد ما إذا كانت هذه هي الحال.
وخلصت وكالة حماية البيئة الأمريكية في عام 2009، بعد مراجعة علمية مطولة، إلى أن الأمر كذلك. وقد أرست هذه النتيجة الأساس لخطوات اتخذتها الوكالة، في عهد باراك أوباما، ولاحقاً جو بايدن، لتقييد الانبعاثات من المركبات ومحطات توليد الطاقة ومواقع إنتاج الوقود الأحفوري. لكن قرار الأسبوع الماضي يلغي قرار الخطر، بإشراف من رئيس وكالة حماية البيئة لي زيلدين، الذي عيّنه ترامب، مخالفاً بذلك سلسلة من الأبحاث العلمية واسعة النطاق حول المخاطر التي يشكّلها تغير المناخ على سكان الولايات المتحدة.
وقد تأكد هذا الأمر قبل بضعة أشهر في تقرير صادر عن الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب في البلاد، والذي وجد أن قرار عام 2009 «تعززه الآن أدلة أقوى». وسرد التقرير سلسلة من المخاطر المناخية على صحة ورفاهية الشعب الأمريكي، من الحرارة الشديدة إلى دخان حرائق الغابات ونقص المياه.
الإدارة الأمريكية رغم كل ذلك ترفض هذه التحذيرات باعتبارها مبالغاً فيها، وتجادل بأن قانون الهواء النظيف، جاء لمعالجة تلوث الهواء والماء على المستويين المحلي والإقليمي، وليس الآثار العالمية طويلة المدى لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
ومن منظورها الخاص وبتجاهلها لتغير المناخ تماماً، نجد أن إدارة ترامب تسير بخطى حثيثة نحو إضعاف حماية الهواء والماء في مجالات واسعة. وتعلق لي جينا مكارثي، التي ترأست وكالة حماية البيئة من عام 2013 إلى 2017، قائلة: «ليس المناخ هو المجال الوحيد الذي يسعون فيه إلى التراجع عن اللوائح. من المذهل حقاً ما تحاول هذه الإدارة فعله وما تمضي فيه قدماً».
وتهدف بعض هذه الخطوات إلى دعم قطاع الفحم المتعثر، وإضعاف القيود التي كانت تهدف إلى حماية المجتمعات المحلية من تلوث السخام والزئبق. وفي الأسبوع الماضي، أمر ترامب الجيش الأمريكي بشكل منفصل بشراء الكهرباء المولدة من الفحم، وأعلن عن صرف مبلغ 175 مليون دولار من الحكومة الفيدرالية لتمديد عمر ست محطات لتوليد الطاقة بالفحم.
وللأسف، فقد تركزت معظم الانتقادات الموجهة لجهود ترامب لعكس تراجع الطاقة المولدة من الفحم في الولايات المتحدة على تداعياتها المناخية، فيما تم تجاهل آثارها على الصحة المحلية. ولننظر، على سبيل المثال، إلى هذه الدراسة التي نُشرت عام 2023 في مجلة ساينس، والتي وجدت أن 460 ألف حالة وفاة في الولايات المتحدة تُعزى إلى التلوث الناتج عن محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم خلال الفترة بين 1999 و2020.
وتلقى قطاع الكيماويات دفعة قوية هو الآخر، لا سيما من خلال اقتراح رفع الحد الرسمي «الآمن» لمادة الفورمالديهايد، وهي مادة مسرطنة معروفة تُستخدم على نطاق واسع في مواد البناء. بل امتد تخفيف القيود ليشمل حتى مواد البيرفلورو ألكيل والبولي فلورو ألكيل وهي المعروفة باسم «المواد الكيميائية الأبدية» - المرتبطة بالسرطان والعقم، والتي كان لي زيلدين قد أشار إليها سابقاً باعتبارها مصدر قلق بالغ.
وبينما خصصت وكالة حماية البيئة 945 مليون دولار للحد من التعرض للمواد الكيميائية الأبدية في مياه الشرب، وطورت طريقة جديدة للكشف عن وجود هذه المركبات، فإنها اتجهت في الوقت نفسه إلى تخفيف متطلبات الإبلاغ للشركات بشأنها، وتخفيض الحدود المفروضة على مستوياتها في مياه الشرب.
إن الإدارة الأمريكية تؤكد أن هذه الخطوات ضرورية في إطار مساعيها لإنعاش الاقتصاد الأمريكي وتحرير الشركات من القواعد المرهقة أو حتى مستحيلة التطبيق، إلا أن موقفها يبدو متعارضاً مع الرأي العام الأمريكي، بما في ذلك القاعدة السياسية لترامب نفسه.
وعلى الرغم من تراجع تأييد الناخبين الجمهوريين للتدابير البيئية المتعلقة بالمناخ مقارنة بنظرائهم الديمقراطيين، إلا أنهم ما زالوا حريصين على استنشاق هواء وشرب ماء نظيفين. وقد أظهر استطلاع رأي حديث أجراه مركز أسوشيتد برس-نورك لأبحاث الشؤون العامة وجامعة شيكاغو أن 47% ممن عرّفوا أنفسهم بأنهم جمهوريون اعتبروا تطبيق لوائح صارمة بشأن الهواء والماء النظيفين «مهماً للغاية»، مقارنة بـ26% فقط ممن قالوا الشيء نفسه عن التراجع عن القوانين البيئية.
كما كشف استطلاع آخر أجرته مؤسسة يوغوف أن العديد من التغييرات المحددة التي أجرتها وكالة حماية البيئة لاقت استياءً شديداً بين ناخبي ترامب. فقد بلغ صافي نسبة التأييد لإلغاء المنح المخصصة لحماية الأطفال من المواد الكيميائية السامة -30% بين الجمهوريين. أما بالنسبة لتخفيف القيود المفروضة على بعض المواد الكيميائية السامة في مياه الشرب، وعلى السخام الناتج عن مداخن المصانع، فقد بلغت النسبة سالب 11% وسالب 23% على التوالي.
ومن بين جميع الناخبين، حظيت سياسة الإدارة في مجال البيئة والطاقة بأدنى نسبة تأييد من بين المجالات الثلاثة عشر التي شملها الاستطلاع، حيث بلغ صافي نسبة التأييد سالب 27%.
ومن الواضح للأسف أن التغييرات في وكالة حماية البيئة لن تتباطأ. ففي الشهر الماضي، تخلت الوكالة عن نظام معتمد منذ زمن طويل، كانت بموجبه توازن بين التكاليف الاقتصادية لقيود تلوث الهواء والفوائد المتحققة من حيث إنقاذ الأرواح، والتي كانت تُقدر قيمتها النقدية بملايين الدولارات لكل حياة. ودافعت الوكالة عن هذه الخطوة، قائلة إن تحديد قيمة مالية للفوائد الصحية قد خلق «شعوراً زائفاً بالدقة». وأوضحت أن النهج الجديد لا يعني أنها تقلل من اهتمامها بحماية رفاهية الإنسان.
وتجد مختلف الحكومات نفسها مضطرة إلى إجراء مفاضلات صعبة بين حماية الصحة والمصلحة الاقتصادية. لكن بغض النظر عن حسابات التكلفة والعائد التي استندت إليها قراراتها البيئية خلال الأشهر الثلاثة عشر الماضية، فقد أظهرت إدارة ترامب ميلاً واضحاً وثابتاً نحو الأولوية الثانية.
