روبرت أرمسترونغ

في ظل ما شهدته الأسواق المالية من اضطرابات خلال الفترة الأخيرة، يفرض سؤال مهم نفسه: ما مدى خطورة الذكاء الاصطناعي على نمو أرباح شركات البرمجيات على المدى الطويل؟

لا أملك معلومات كافية حتى الآن عن الذكاء الاصطناعي، وهو وضع أسعى لتصحيحه بالتأكيد. لذلك، أعتمد في محاولتي الأولى للإجابة عن هذا السؤال على آراء الآخرين، وقليل من المنطق، وخبرتي في مجال تمويل الشركات.

إن المنطق الأساسي وراء هذا التراجع يكمن في أن الذكاء الاصطناعي سيمكن الشركات والأفراد من أداء مهام كانوا ينجزونها سابقاً باستخدام برامج مدفوعة، أو سيمكنهم من بناء بدائل لتلك البرامج لكن بتكلفة أقل. هل هذا واقعي؟

ويجمع خبراء وول ستريت على أن بعض موردي البرمجيات سيكونون أكثر عرضة للخطر من غيرهم.

ولذلك، اقترحت مجموعة غولدمان ساكس أخيراً استراتيجية «التداول المزدوج» للبرمجيات لعملائها، والتي تتضمن مجموعتين من الأسهم، إحداهما للشراء والأخرى للبيع على المكشوف.

وقالت: إن الشركات ستواجه صعوبة في الاستبدال على المدى الطويل نظراً لـ«الصرامة التنظيمية، وتعقيد التكامل، والمسؤولية البشرية»، والتي تدعم «بنية البيانات، والمراقبة، والأمن، والحوسبة السحابية فائقة التوسع، ومنصات تطوير الذكاء الاصطناعي».

أما الشركات التي ستباع على المكشوف، فهي «التي تدعم العمل الذي يمكن للذكاء الاصطناعي أتمتته أو إعادة بنائه داخلياً بشكل متزايد».

ووفقاً لتقرير نشرته بلومبيرغ حول استراتيجية غولدمان ساكس، تشمل أسهم الشراء شركات كلاود فلير، وكراود سترايك، وبالو ألتو نتوركس (جميعها في مجال الأمن السيبراني)، بالإضافة إلى أوراكل ومايكروسوفت.

أما قائمة الأسهم المرشحة للبيع على المكشوف، فتشمل شركات مونداي دوت كوم (تطوير التطبيقات وإدارة المشاريع)، وسيلز فورس (إدارة علاقات العملاء)، ودوكوساين (التوقيعات الإلكترونية)، وأكسنتشر (الاستشارات التقنية)، ودولينغو (تعلم اللغات).

من جانبهم، يميل محللو البرمجيات إلى أن نمو شركات البرمجيات سيستمر استناداً إلى: ارتفاع تكاليف التحول، وتكامل أنظمة ووظائف البرمجيات المختلفة، وقدرة شركات البرمجيات على دمج أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها في مجموعات البرمجيات المترابطة التي يستخدمها عملاؤها.

وفي هذا السياق، يقول ستيفن بيرسي من بنك «إتش إس بي سي»: سوق التكنولوجيا عالم غريب، حيث لا يفوز دائماً المنتج الأفضل أو الأرخص.

وبمجرد تثبيت تطبيق منصة كبير وتشغيل عمليات العميل الحيوية عليه، يصبح التحويل محفوفاً بالمخاطر، لأنه حال حدوث خلل أثناء استبدال المنصة، قد تتوقف العمليات الاعتيادية، وقد يتخلى العملاء المخلصون عن الشركة نهائياً، وتتضرر سمعة العلامة التجارية، وقد تتوقف الإيرادات تماماً حتى يتم حل المشكلات.

وهناك أيضاً العديد من مخاطر/ تكاليف التحول غير المتوقعة التي قد تتفاقم، مثل انخفاض الإنتاجية وكثرة أخطاء العمليات أثناء إعادة تدريب المستخدمين واكتسابهم الخبرة في النظام الجديد.

أو الظهور المفاجئ لتفاعلات غير مرغوب فيها بين الميزات، والتي لا تظهر إلا في ظل عمليات طويلة الأمد وعلى نطاق واسع.

من جانبه، يقول كيث وايس من مورغان ستانلي: ينبغي النظر إلى مخاطر الذكاء الاصطناعي في سياق تفضيل العميل النهائي لأفضل الحلول المتخصصة مقابل الحزم البرمجية المتكاملة.

وفي استطلاعنا لآراء كبار مسؤولي الاستثمار، وجدنا أن أحد العوامل الدافعة لتزايد تفضيل الحزم البرمجية، هو قدرة موردي هذه الحزم على التكيف السريع وتقليل الفجوة الوظيفية بين حزمهم وأفضل الحلول المتخصصة.

ومن المعروف، أن التوجه السائد في هندسة البرمجيات خلال الخمسين عاماً الماضية كان يتمثل في زيادة تجزئة النظام إلى مكونات محسنة، ما يوفر أفضل كفاءة وفعالية لنوع العمل المطلوب إنجازه.

وبينما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتيح وظائف جديدة بفعالية، مثل الفهم السياقي للبيانات غير المهيكلة، والبرمجة، وإنشاء المحتوى، فمن غير المرجح أن يصبح المكون الأكثر فعالية وكفاءة لكل جزء من النظام.

هذا الطرح يبدو منطقياً إلى حد ما: فأنظمة البرمجيات الحالية معقدة ويصعب استبدالها، وشركات البرمجيات تعمل جاهدة على تطوير الذكاء الاصطناعي منذ فترة.

ولكن إلى أي مدى يصح هذا المنطق؟ والانخفاض الحاد في أسعار الأسهم لا يتعلق بتضرر أرباح شركات البرمجيات في السنوات القليلة المقبلة.

فالجميع يقر بأن أساسيات القطاع جيدة وستبقى كذلك لسنوات. المسألة المطروحة هي كيف سيبدو مستقبل الحوسبة بعد عقد من الزمن؟ من منظور التحليل المالي، يدور السؤال حول «مضاعف التقييم النهائي» في نموذج التدفقات النقدية المخصومة لشركة البرمجيات المفضلة لديك.

في نموذج التدفقات النقدية المخصومة القياسي، تقدر الأرباح لكل سنة من السنوات العشر المقبلة تقريباً، ثم يطبق مضاعف - 20 ضعفاً مثلاً - على أرباح السنة العاشرة، ما ينتج عنه مبلغ إجمالي يغطي جميع القيم المستقبلية.

أعتقد أن ما يحدث الآن هو أن المستثمرين يأخذون هذا المضاعف (20 ضعفاً) ويجعلونه 15 ضعفاً أو 10 أضعاف لأن الأرباح قد لا تنمو بشكل جيد في تلك المرحلة.

ليس من الواضح لي على الإطلاق أن هذا الأمر خطأ، حيث توجد في قطاع البرمجيات تأثيرات شبكية قوية وتكاليف تحويل مرتفعة، ما يُصعّب على المنافسين الجدد إزاحة الشركات القائمة. لكنني لست متأكداً من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعد منافساً جديداً بالمعنى المتعارف عليه.

قد لا تأتي لحظة يستبدل فيها العملاء نظام البرمجيات القديم بنظام الذكاء الاصطناعي الجديد. قد لا يكون هناك «تحويل» فعلي.

قد تستيقظ الشركات والأفراد فجأة بعد خمس أو عشر سنوات، ويقررون، نظراً لنطاق الخدمات التي يمكن أن يقدمها لهم مساعدهم الذكي، أنهم لم يعودوا بحاجة إلى البرمجيات القديمة. هذا مجرد تخمين من شخص غير مختص، لكن هذا ما يبدو لي عليه التهديد.

باختصار، وكما أشار العديد من الأشخاص، فإن الأسواق تتصرف حالياً وكأن تأثير الذكاء الاصطناعي سيكون مرتبطاً بقطاعات محددة، مع أن القطاع المتوقع تأثره يتغير يومياً.

ولكن إذا كان الذكاء الاصطناعي ثورياً كما يعتقد الكثيرون، ألن يكون بمثابة «قنبلة انكماش» ضخمة وغير متوقعة تصيب معظم القطاعات بمعنى آخر، ألم يصبح السوق بأكمله أكثر خطورة، وبالتالي يحتاج السوق بأكمله إلى البيع بتقييم أقل؟ لا يزال بإمكاننا الوصول إلى ذلك.