ريتشارد بيرنشتاين
على مدى السنوات القليلة الماضية، شهدنا استخداماً «غير مسبوق» لوصف أمر أو حدث ما بأنه «غير مسبوق»، وبات المحللون والسياسيون يدّعون بشكل روتيني أن أحداثاً سياسية واقتصادية لم تحدث من قبل.
وعلى الرغم من هذا الإفراط في استخدام مثل هذه المبالغات، فإن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يتجه بالفعل في عام 2026 بالفعل نحو منطقة مجهولة على نحو «غير مسبوق»، وذلك بخفض أسعار الفائدة، رغم قوة الاقتصاد وضعف الدولار. ولم يشهد التاريخ الاقتصادي الأمريكي الحديث مثل هذا المزيج من الظروف النقدية والاقتصادية. لذلك، ينبغي على المستثمرين إعداد محافظهم الاستثمارية لما قد تكون رحلة غير مألوفة بالمرة.
إن البيانات تؤكد أن الاقتصاد الأمريكي يتمتع حالياً بقوة كبيرة. فقد تجاوز الناتج المحلي الإجمالي الاسمي في الربع الأخير المُعلن عنه 8 %، وهو أقوى نمو خلال 20 عاماً، باستثناء فترة ما بعد الجائحة. وهذا لا يشمل تعديلات التضخم في أرقام النمو الاقتصادي الرئيسة.
استناداً إلى تقديرات بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا للناتج المحلي الإجمالي الحالي، وتوقعات ارتفاع الأسعار التي تنطوي عليها سندات الخزانة المحمية من التضخم لمدة عام واحد، يبدو أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي خلال الربع أو الربعين القادمين سيتجاوز 7 %.
ولم يقدم بنك الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة إلا مرات معدودة، عندما تجاوز النمو الاسمي 8 %، وكانت معظم تلك الحالات في سبعينيات القرن الماضي. ولا شك أن المستثمرين والاقتصاديين يتفقون على أن السياسة النقدية الحالية، لا ينبغي أن تحاكي سياسات تلك الفترة التي اتسمت بالتضخم. لكن قد يخفض بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، رغم ضعف الدولار.
وقد انخفض الدولار، وفقاً لمؤشر الدولار الأمريكي (DXY)، بنحو 10 % خلال العام الماضي. ورغم أن وزارة الخزانة قد صرحت بنيتها الاستمرار في سياسات الدولار القوية التي اتبعتها لفترة طويلة، فإن خفض أسعار الفائدة، في ظل انخفاض قيمة الدولار بالفعل، سيشير إلى نظام جديد لـ «ضعف الدولار».
وقد أشار البعض إلى أن نمو الإنتاجية المرتبط بالذكاء الاصطناعي، سيُعادل التضخم ويدعم الدولار. مع ذلك، يبدو أن هذه التوقعات المتفائلة تتجاهل الآثار التضخمية لتراجع العولمة والقيود التجارية والعمالية.
وعلى سبيل المثال، تستمر في الارتفاع بعض المؤشرات الرئيسة للتضخم، مثل استطلاعات نوايا تسعير الشركات الصغيرة، التي يجريها الاتحاد الوطني للأعمال المستقلة.
وقد يكون الذكاء الاصطناعي قد بدأ بالفعل في استبدال مبرمجي الحاسوب وموظفي الخدمات ذوي المستويات الدنيا، ولكنه لا يزال غير قادر على إنتاج سلع غير مصنعة في الولايات المتحدة، والتي قد ترتفع أسعارها مع انخفاض قيمة الدولار.
ولم يضطر المستثمرون الأمريكيون للقلق بشأن ضعف الدولار المستمر منذ ما يقرب من عقدين. ويمكن لمستثمري الأسهم استخدام استراتيجيات متنوعة لتنويع محافظهم الاستثمارية، والاستفادة من الوضع. وتتبادر إلى الذهن الأسهم الدولية على الفور.
يمكن أن تكون العملة مصدراً مهماً للعوائد، لكن المستثمرين الأمريكيين يقللون بشكل كبير من وزن الأسهم غير الأمريكية، على الرغم من المخاطر المحتملة على الدولار، وهو أقل بكثير من وزنها البالغ حوالي 40 % في مؤشر «إم إس سي آي» العالمي لجميع الدول.
بالإضافة إلى ذلك، توفر الأسهم غير الأمريكية الآن نمواً تنافسياً في الأرباح، وعند مقارنة مؤشري «إم إس سي آي» ACWI مع استبعاد الولايات المتحدة، و«إم إس سي آي» الأمريكي، نجد أن عائد توزيعات الأرباح فيها يبلغ ضعف عائد توزيعات الأرباح الأمريكية (2.5 % مقابل 1.2 %). كما تتميز بتقييمات أقل بكثير، حيث يبلغ مضاعف سعر السهم إلى الأرباح السابقة 18 ضعفاً، مقابل 26 ضعفاً للأسهم الأمريكية.
وتُعدّ الأسهم ذات «المدة الأقصر» مجالاً آخراً يستحق الاستكشاف من جانب المستثمرين، في ظل الظروف الراهنة. ويُستخدم مصطلح «المدة» عادةً لوصف حساسية استثمارات الدخل الثابت لأسعار الفائدة، ولكنه قد يكون مهماً أيضاً للأسهم. فإذا تبيّن أن التضخم أعلى من التوقعات الحالية، فقد ترتفع أسعار الفائدة طويلة الأجل، وقد يكون أداء السندات والأسهم الأكثر حساسية لهذه التحركات، أي تلك التي تُعتبر ذات مدة أطول، ضعيفاً.
ويُعدّ عائد توزيعات الأرباح أحد أبسط الطرق لقياس مدة الأسهم. تميل الأسهم التي لا توزع أرباحاً إلى أن تكون أكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة، من الأسهم التي توزع أرباحاً. وهناك تجاهل من جانب المستثمرين المنجذبين إلى طفرة الذكاء الاصطناعي لتوزيعات الأرباح إلى حد كبير، مع تفضيل لأسهم النمو، مع أن تراكم الأرباح كان تاريخياً من أسهل الطرق لبناء الثروة.
وخلافاً لما قد يعتقده المتحمسون لأسهم النمو، فإن العائد الإجمالي لمؤشر ستاندرد آند بورز لأسهم الشركات الأرستقراطية الموزعة للأرباح على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، يُقارب عائد مؤشر ناسداك، الذي يضم شركات التكنولوجيا بشكل كبير، مع اتسامه بتقلبات أقل بكثير. وفي ظل اقتصاد قد يكون غير مسبوق، تبدو الأسهم غير الأمريكية والأسهم الموزعة للأرباح، هي الأنسب لهذا الوضع الاقتصادي غير المسبوق.