جدعون راتشمان
استُقبل خطاب ماركو روبيو أمام مؤتمر ميونيخ للأمن يوم السبت، بتصفيق حار من جانب بعض الحضور. فهل يعني ذلك أن القادة الأوروبيين قرروا الصفح عن كل ما مضى، وباتوا يُحبّون إدارة ترامب الآن؟.
لكن الخطابات التي ألقاها القادة الأوروبيون في ميونيخ - والمحادثات مع مساعديهم - تُوضّح أن روبيو لم ينجح بالمرة في رأب الصدع عبر الأطلسي. بل من المُتوقع أن يتسع هذا الصدع ويتعمّق، مع مواصلة الدول الأوروبية اتخاذ خطوات لتجهيز دفاعاتها ضد إدارة ترامب، استعداداً للأزمات القادمة.
ثم جاءت تهديدات ترامب الأخيرة بضم غرينلاند، لتزيد من حدة الشعور في أوروبا بأن الإدارة الأمريكية الحالية تُعدّ خصماً، بقدر ما هي حليف.
فقد كان نداء روبيو لشراكة متجددة مع أوروبا مشروطاً للغاية، وكان الشرط هو أن يتبنى القادة الأوروبيون النزعة القومية المتطرفة، التي تتبناها حركة ماغا.
وقد تكون الأزمة التالية متعلقة بغرينلاند، أو التجارة أو أوكرانيا أو غيرهما، لكنها ستحدث لا محالة.
أما في ما يتعلق بغرينلاند، فقد اتخذوا نهجاً مختلفاً - وقفوا صفاً واحداً، وأوضحوا استعدادهم للرد. فتراجع ترامب.
وإذا سنحت فرص للعمل البنّاء مع إدارة ترامب بشأن أوكرانيا أو غيرها من القضايا، فسيتم اغتنامها. لكن الحكومات الأوروبية تسعى الآن جاهدة أيضاً للحد من تعرضها للمزيد من الضغوط الأمريكية.
وأوضح فريدريش ميرتس المستشار الألماني، أن بلاده بدأت تفكر في إنشاء منظومة نووية أوروبية - بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا - تحسباً لتخلي أمريكا عن المظلة النووية التي وفرتها أوروبا لعقود.
كما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سياسة صناعية «تمنح الأفضلية الأوروبية» في كل شيء، من الذكاء الاصطناعي إلى الحوسبة السحابية. وأكد كير ستارمر رئيس الوزراء البريطاني، رغبة حكومته في التقارب مع السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، وأشار ضمنياً إلى أن بريطانيا ترفض فكرة أن الشعوب «المختلفة في مظهرها» لا يمكنها العيش بسلام.
وقد تكون الخطوة الأولى هي تبنّي قيود عمرية على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، على غرار ما هو معمول به في أستراليا. والمرحلة التالية، التي ستكون أكثر صعوبة وإثارة للجدل، هي المطالبة بالوصول إلى الخوارزميات التي تقوم عليها منصات التواصل الاجتماعي.
لكن من الواضح أن هناك أسباباً تدعو للشك في قدرة الأوروبيين على التحرك بسرعة وفعالية، لا سيما في ظل ردة الفعل الأمريكية العنيفة المتوقعة، إذا ما تصدى الاتحاد الأوروبي لشركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة.
كما يواجه ستارمر خطر فقدان منصبه كزعيم لحزب العمال ورئيس للوزراء. ولا تملك بريطانيا ولا فرنسا موارد كافية لدعم أهدافهما العسكرية والصناعية. على الجانب الآخر، يقود ميرتس ائتلافاً غير متماسك، وشعبيته تتآكل.
كما أن العلاقات بين الحكومتين الفرنسية والألمانية متوترة. وغالباً ما تعرقل المجر، بقيادة أوربان، العمل الجماعي الأوروبي.
وغالباً ما تتطلب الأزمات إجبار الأوروبيين على اتخاذ قرارات صعبة. وقد خلق ترامب هذا الشعور بالأزمة، بينما لم يفعل روبيو شيئاً يذكر لتبديده.
