مارتن وولف
تسجل جميع دول العالم تقريباً انخفاضاً في معدلات الخصوبة. تشير الحائزة على جائزة نوبل، كلوديا غولدين، في بحثها المنشور عام 2023 حول انخفاض الخصوبة، إلى أن معدل الخصوبة الإجمالي (متوسط عدد الأطفال لكل امرأة طوال حياتها) في جميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يقل عن 2.1، وهو معدل الإحلال.
وتضيف كلوديا غولدين إلى أن هذا الأمر ليس بجديد، إذ يتم تسجيل مستويات منخفضة من الخصوبة في العديد من الدول المتقدمة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي.
ويُعد هذا التحول في الخصوبة عكس ما تنبأ به توماس مالتوس، الباحث السكاني والاقتصادي الإنجليزي (1766 - 1834)، فالبشرية تعيش في رغد غير مسبوق، ومع ذلك فلديها عدد أقل بكثير من الأطفال مقارنة بأعدادهم في الماضي.
وعند البحث عن الأسباب، نجد أن أحد هذه الأسباب هو أن عدداً أكبر بكثير من الأطفال يعيشون الآن حتى سن البلوغ، ما يقلل الحاجة إلى الولادات المتعددة. وثمة سبب آخر يتمثل في أن الناس باتوا يفضلون إنجاب عدد قليل من الأطفال الذين يستثمرون في كل منهم أكثر حتى يصبحوا متميزين، على إنجاب عدد كبير منهم.
مع ذلك، لا تفسر هذه التغيرات بشكل كامل ما يحدث، ولا سيما الانخفاض الملحوظ في معدلات الخصوبة بين الخريجات، والانهيار السريع وغير المسبوق في معدلات الخصوبة في الاقتصادات سريعة النمو ذات الأعراف الجندرية التقليدية.
ولا سيما فكرة أن الزوجات هن من يتولين رعاية الأطفال. وفي مثل هذه البلدان، لا يقتصر الأمر على ارتفاع التكاليف فحسب، بل تقع هذه التكاليف في الغالب على عاتق النساء.
عموماً، فإن الخريجات في الولايات المتحدة (وغيرها) تزداد احتمالية الزواج بينهن عن غير الخريجات، كما أنهن أكثر عرضة لإنجاب الأطفال. وبالنسبة لهؤلاء الخريجات الجامعيات تحديداً، يعتمد جزء كبير من قرارهن بإنجاب الأطفال على توقعاتهن لسلوك أزواجهن.
وتستخدم كلوديا غولدين هذا التحليل لتفسير ما حدث في الولايات المتحدة على المدى الطويل. وتقول: «انخفض معدل المواليد بشكل حاد منذ فترة في الولايات المتحدة. ولأن النساء تمتعن بمزيد من الاستقلالية، توفرت لهن خيارات أوسع، ولأن الأجور النسبية للعاملين الحاصلين على شهادات جامعية ارتفعت بشكل كبير، فقد أصبحت خياراتهن أكثر قيمة.
وارتفعت تكلفة الفرصة البديلة للأطفال بالنسبة للنساء الأكثر تعليماً. كما احتاجت النساء إلى ضمانات أكبر بأن رعاية أطفالهن ستكون مشتركة مع الأب».
والآن، لننظر إلى حالات الدول التي شهدت نمواً اقتصادياً هائلاً انطلاقاً من قاعدة منخفضة، كما هي الحال في جنوب أوروبا وشرق آسيا. هناك، كما تقول غولدين، غالباً ما تكون الأعراف الاجتماعية متخلفة عن الواقع المعاصر، فالرجال لا يزالون يتوقون إلى المعايير الأبوية للمجتمع التقليدي. بينما تتمتع النساء بتحرر الاقتصاد الحديث.
وتشير غولدين إلى أن الدول التي تأثرت بشكل خاص بهذا التباين في التوقعات (مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وأظن الصين أيضاً) نجد لديها معدلات عالية من عدم الإنجاب بين النساء.
وتُشير غولدين إلى عامل آخر مهم، وهو «التنافس المحموم». فالأطفال ذوو الجودة العالية مكلفون في كل مكان، لكن في بعض البلدان يصلون إلى مستويات باهظة. في المجتمعات التي تتطلع فيها النساء إلى إنجاب أطفال، يتنافس الآباء فيما بينهم على عدد محدود من المقاعد المتميزة لأبنائهم.
والنتيجة هي دروس خصوصية مكثفة، والتي تُعدّ شكلاً من أشكال التعذيب للأطفال والوالدين على حد سواء، خاصة الأمهات. وهذا يزيد من التكاليف المباشرة وغير المباشرة التي تتحملها النساء لإنجاب الأطفال بشكل مفرط. لذا، تمتنع الكثيرات منهن عن الإنجاب.
تقترح غولدين بشكل أساسي أن يُحسّن الرجال من سلوكهم، لكنها توصي أيضاً بزيادة دعم الدولة للآباء. وعموماً، لا يبدو أن هناك ما يُمكن أن يرفع معدلات الخصوبة في المجتمعات الحديثة فوق مستوى الإحلال.
وأتفق معها في أن فكرة اليمين القائلة بأن الحل يكمن في إعادة النساء إلى المطبخ والحضانة فكرة شريرة وحمقاء. علاوة على ذلك، إذا كان الحزب الشيوعي الصيني عاجزاً عن إجبار النساء على إنجاب أطفال لا يرغبن بهم، فلن يستطيع أحد فعل ذلك.
لا بد من تعزيز المساواة بين الجنسين، وزيادة الدعم المجتمعي لتغطية تكاليف الأطفال، إذا ما أُريد رفع معدلات الخصوبة. لكنّ ارتفاعاً كبيراً في عدد السكان يبدو مستبعداً. ويبدو انخفاض عدد السكان أمراً لا مفرّ منه في عدد كبير من الدول الغنية، إذا ما استُبعدت الهجرة الجماعية.