مع السلسلة الطويلة من التوترات التي جلبتها سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التجارة العالمية، كان من المنتظر أن تواجه شركات الشحن تداعيات حادة لهذه الأوقات العصيبة، إلا أن الطلب على الشحن في الواقع في ازدياد.
لذلك، تتوقع شركة إيه بي مولر- ميرسك الدنماركية أن يرتفع حجم الطلب بنسبة تصل إلى 4 % هذا العام. فلماذا إذن تحذر شركات الشحن الكبرى من احتمال تراجع الربحية؟
وتقول ميرسك، عملاق النقل البحري، إنها قد تتكبد خسائر هذا العام لأول مرة منذ عقد. كما أعلنت منافستها، شركة وان، مؤخراً عن خسارة ربع سنوية. وتكمن المشكلة في أنه بينما ينمو الطلب، يزداد أيضاً حجم طاقة الشحن الجديدة المتوفرة في البحار، كما تتلاشى بموازاة ذلك بعض التعقيدات غير المتعلقة بالتعريفات الجمركية في تدفقات التجارة العالمية.
وارتفعت أسعار الشحن خلال جائحة «كوفيد 19»، وزادت حدة هذا الارتفاع بفعل الاضطرابات الجيوسياسية، مثل إغلاق الممر عبر البحر الأحمر قبل عامين، مما أدى إلى إطالة مدة الإبحار. وبفضل هذه التحولات، أنفق المسؤولون التنفيذيون بسخاء على سفن جديدة.
وهكذا، تكمن المشكلة في انخفاض الحاجة إلى المساحات على السفن، بينما لا تنخفض الطاقة الاستيعابية. وبحلول نهاية هذا العام، سيرتفع الطلب على شحن الحاويات بنحو 15 - 20 % مقارنةً بمستويات عام 2019، في حين سترتفع الطاقة الاستيعابية بنسبة 47 %.
وذلك استناداً إلى توقعات محللي شركة بيرنشتاين. والنتيجة الطبيعية هي انخفاض أسعار الشحن. وبالفعل، فقد انخفض مؤشر «دروري» العالمي للحاويات بنسبة 30 % خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، مما دفع المحللين إلى توقع انخفاض إيرادات شركة ميرسك السنوية بنسبة 8 %.
وبينما يمكن توقع بعض جوانب دورة الازدهار والركود من قبل المسؤولين عن شركات الشحن، إلا أن العالم لا يزال عرضة للاضطرابات والحلول التي يصعب التنبؤ بها.
وقد يُسهم مسارٌ أكثر سلاسة لتحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين بغزة في تسريع ضمان الأمن في الممر عبر البحر الأحمر، مما يُقلل مسافات النقل، لكن في المقابل، قد تُؤدي التوترات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تعقيدات أخرى.
ويُمكن لشركات الشحن التعامل مع هذه التغييرات بطرقٍ مُختلفة. ويدرس القطاع حالياً سُبل خفض التكاليف، مثل إلغاء الرحلات البحرية المُجدولة، والسفر بسرعاتٍ أبطأ، وربما إيقاف بعض السفن عن العمل. كما يُعدّ تفكيك السفن القديمة إجراءً أخيراً.
ولحسن الحظ، فقد استخلصت هذه الشركات دروساً من التاريخ في تعزيز ميزانياتها العمومية خلال فترات الرخاء والازدهار.
فقد بلغ صافي ديون شركات الشحن حوالي 7.3 أضعاف الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك في السنوات التي سبقت الجائحة، وفقاً لتحليل شركة أليكس بارتنرز. لكن منذ عام 2020، بلغ مُعدل النسبة 1.2 ضعفاً. وقد غطت الأرباح في السنوات الأخيرة مدفوعات الفائدة أربع أو خمس مرات.
أكدت شركة ميرسك على حالة عدم اليقين عندما حذرت من أنها قد تتكبد خسائر هذا العام، لكنها قد تحقق في المقابل - في ظل الظروف المناسبة - ربحاً تشغيلياً بقيمة مليار دولار. وهذا نطاق واسع للفارق بين الجانبين.
وتشير أسهم الشركة، التي تحوم قرب أعلى مستوياتها في عامين، إلى أن المستثمرين ربما يكونون مطمئنين أكثر من اللازم حيال هذا التذبذب. لكن من الواضح أن لديهم ما يبرر اعتقادهم بأن شركات الشحن البحري الكبرى عليها أن تستمر بالعمل في كل الأحوال.
