مارتن ساندبو
انبهر كثيرون بخطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس قبل ثلاثة أسابيع. فقد دعا «القوى المتوسطة» إلى التخلي عن التظاهر بأن النظام القائم على القواعد، الذي أسسته الولايات المتحدة، قد حقق ما وعد به. ولذلك، أكد على الحاجة إلى التعاون مع الدول ذات التوجهات المماثلة متى وأينما أمكن.
في المقابل، وفي خطاب ألقاه في مدينة لوفين ببلجيكا الأسبوع الماضي، شدد ماريو دراغي، أحد أبرز رجال الدولة الأوروبيين، على اتفاقه مع ما قاله كارني، بل وزاد عليه، بالتأكيد على أن النظام القديم «قد انتهى» بالفعل، لكن ليس «لأنه بُني على الوهم، بل لأنه لم يستطع الصمود أمام الاستخدام المتعمد للترابط الاقتصادي كسلاح.
إن رد الاتحاد الأوروبي بضرورة تعزيز القدرات المحلية مع السعي إلى تعميق العلاقات حيثما أمكن يشبه إلى حد كبير ما قاله كارني. لكن دراغي حذر من أن هذا لن يكون سوى «استراتيجية مؤقتة». فما السبب؟ قال دراغي:
«بشكل فردي، لا تُعد معظم دول الاتحاد الأوروبي حتى قوى متوسطة قادرة على التكيف مع هذا النظام الجديد من خلال تشكيل تحالفات، لكن من بين جميع الدول التي تقع الآن بين الولايات المتحدة والصين، يملك الأوروبيون وحدهم خيار أن يصبحوا قوة حقيقية». باختصار، أوروبا ليست كندا: إما أن تقبل بالعظمة المفروضة عليها، أو أن تُقسّم وتُحكم. ولكن كيف؟
يجيب دراغي بـ«فيدرالية براغماتية» - حيث تختار الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الراغبة في مشاركة المزيد من السيادة الوحدة في أكبر عدد ممكن من المجالات التي يمكنها إيجاد سبل للتقدم فيها.
وعلى أرض الواقع، يجري اختبار هذا النهج بالفعل. ولنأخذ على سبيل المثال مبادرة «مختبر التنافسية» التي تقودها إسبانيا، والمفتوحة أمام الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الراغبة في تسريع وضع قواعد مشتركة للأسواق المالية.
وربما كرد فعل، تعهد وزراء مالية أكبر ستة اقتصادات في الاتحاد الأوروبي مؤخراً بإبرام اتفاقيات فيما بينهم. لكن لرفض الاتهام الحتمي بأن هذه مبادرة تخريبية، من الأفضل للمجموعة أن تُحرز تقدماً جاداً وسريعاً.
وفي مجال الأمن والدفاع، لا تغطي آلية الاقتراض المشتركة الجديدة الآمنة سوى نصف دول الاتحاد الأوروبي تقريباً (وتشمل عدداً قليلاً من الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي).
لذلك، توجد الآن مقترحات قوية لتشكيل تحالفات من العواصم الأوروبية الراغبة في تمويل وبناء قدرات عسكرية استراتيجية كانت الولايات المتحدة توفرها سابقاً.
وعلى صعيد السياسة الكلية، اتفق القادة على إصدار سندات جديدة من جانب الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا مع دفعات جانبية تتيح للدول غير الراغبة الانسحاب فعلياً. ويدعم النهج الجيوسياسي المتزايد لتوسيع الاتحاد الأوروبي منطقاً مماثلاً «فيدرالياً عملياً».
وكما ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز، فإن المخاطر الجسيمة المحيطة بمستقبل أوكرانيا قد أثارت نقاشاً حول تغيير جذري لمسار عملية الانضمام الحالية.
فبدلاً من أن تكون العضوية تتويجاً وختاماً لعملية طويلة من التوافق مع الاتحاد الأوروبي، ستكون هي البداية ولكن مع حزمة من الحقوق والالتزامات الأساسية فقط. وسيتم إضافة المزيد تدريجياً عندما ينجز العضو الجديد الإصلاحات المطلوبة في الداخل.
ويمكن لهذا النموذج أن ينعش المحادثات مع مرشحين آخرين للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك تركيا، التي بدأت علاقتها المتوترة مع التكتل تظهر بوادر انفراج.
كما أن مسار عضوية أقل ثنائية قد يكون جذابًا لأيسلندا، نظراً لاستفتاء مرتقب قريباً، والنرويج، وحتى المملكة المتحدة. وهكذا، إذا كانت النتيجة النهائية اتحاداً أوروبياً أكبر حجماً، ولكن بوتيرة متفاوتة، فلن يكون ذلك مقصوداً، بل نتيجة للنمو العضوي المشترك بين الراغبين في تعزيز التعاون.
مع ذلك، يعتقد الكثيرون أن الفيدرالية البراغماتية التي طرحها دراغي محكوم عليها بالفشل بسبب الانقسامات الداخلية في أوروبا. وفيما أثار وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت جدلاً واسعاً بتعليقه الساخر اللاذع حول لجوء الاتحاد الأوروبي إلى «مجموعة العمل المخيفة». يقدم دراغي رؤيتين رداً على ذلك.
أولاً، إن غياب الوحدة ليس مبرراً للتريث قبل اتخاذ أي إجراء: «الوحدة لا تسبق العمل؛ بل تُبنى من خلال اتخاذ قرارات مصيرية معاً، ومن خلال الخبرة المشتركة والتضامن الذي تخلقه، ومن خلال إدراك قدرتنا على تحمل النتائج».
وعندما تجرأ الأوروبيون على التصدي بشكل مشترك لمطالبة دونالد ترامب بغرينلاند، اضطروا إلى «إجراء تقييم استراتيجي حقيقي»، وقد أوضحت «الرغبة في العمل» «القدرة على العمل».
ثانياً، إن ضرورة إشراك الشعوب في أوروبا - وهي متطلبات اتحاد الديمقراطيات الوطنية - تُعد في حد ذاتها قيمة ثمينة. وفي حين يسمح النظام الأمريكي للسلطة التنفيذية بفرض إرادتها.
وتُحمّل الصين بسعادة اقتصادات أخرى تكلفة تقدمها الاقتصادي، يُشير دراغي إلى أن «التكامل الأوروبي مبني على نحوٍ مختلف: ليس على القوة، بل على الإرادة المشتركة.. ليس على الإخضاع، بل على المنفعة المشتركة».
إن الأوروبيين يدركون، ببطء ولكن بثبات، ما يُمكنهم فعله. وهنا قد يكون من المفيد استحضار ما قاله لي مسؤول رفيع المستوى في الاتحاد الأوروبي مؤخراً في دلالة على هذا التحوّل: «أوروبا ليست بهذا الضعف الذي تبدو عليه».