جورج هاموند
حققت «أنثروبيك» ما يمكن أن يكون نقطة تحول منذ أيام قليلة. لذلك، يراهن المستثمرون على سيطرة الشركة الناشئة على سوق بيع منتجات الذكاء الاصطناعي للشركات، بقيمة مئات المليارات من الدولارات.
وحظيت شركة الذكاء الاصطناعي في معظم الأوقات بمستوى منخفض من الظهور الإعلامي مقارنة بمنافسيها «أوبن أيه آي» وجوجل وميتا، الذين ركزوا على المنتجات الموجهة للمستهلكين، بينما ركزت «أنثروبيك» في الترويج لنماذجها كأدوات للمطورين والشركات.
وتجلت هذه الاستراتيجية بوضوح خلال الأيام الماضية مع إطلاق برنامج جديد أثار بعض الضجة في الأسواق العامة. كما لفتت أنثروبيك الأنظار بإعلان خلال مباراة السوبر بول استهدف المنافسين، ما أثار رد فعل غاضباً من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن ايه آي».
ودخلت مجموعة «أنثروبيك»، التي تأسست قبل خمس سنوات في سان فرانسيسكو، دائرة الضوء مع اقترابها من إتمام جولة تمويلية بقيمة 35 مليار دولار تقريباً، بتقييم يصل إلى 350 مليار دولار، وكذلك خطواتها الحاسمة نحو طرح عام أولي ضخم هذا العام.
وحققت «أنثروبيك» قفزة من مليار دولار كإيرادات سنوية في بداية العام الماضي إلى أكثر من 9 مليارات دولار بحلول نهاية عام 2025. وقد أوضحت الشركة للمستثمرين أن إيراداتها السنوية ستتجاوز 30 مليار دولار بنهاية هذا العام، وتستهدف مواصلة مسارها التصاعدي بعد ذلك، وفقاً لمصادر مطلعة على الشؤون المالية للشركة.
وبفضل نجاح «أنثروبيك» في جذب الشركات، وتركيزها على المنتج، وقيادتها المستقرة، باتت تُعد خياراً استثمارياً أكثر أماناً على المدى الطويل من «أوبن إيه آي»، وذلك بحسب 12 مستثمراً تحدثوا إلى صحيفة «فاينانشال تايمز».
وقال مايك باولوس، الملياردير والشريك السابق في شركة «أندريسن هورويتز» التي يقدم مكتب عائلته الدعم للشركة الناشئة: «أنثروبيك شركة تدار بكفاءة عالية، وهي ذات هيكل رأسمالي بسيط وفعال»، مؤيداً انتقال الرأي العام إلى فكرة أن الشركات الكبرى هي المكان الذي يجنى فيه عائد مجزٍ من الذكاء الاصطناعي.
وتأسست هذه الشركة الناشئة عام 2021 على يد مجموعة من الباحثين السابقين في «أوبن أيه آي»، بمن فيهم الشقيقان داريو ودانييلا أمودي، الرئيس التنفيذي ورئيسة الشركة على التوالي. ومنذ ذلك الحين، رسخت الشركة صورة رصينة تركز على السلامة، مدعومة بمقالات مطولة على مدونتها يحذر فيها رئيسها التنفيذي من مخاطر الذكاء الاصطناعي غير المقيد.
وأصبحت أداة «كلود» من«أنثروبيك»، المخصصة لهندسة البرمجيات، رائدة في هذا المجال منذ إطلاقها قبل عام، حيث تستطيع هذه الأداة قراءة الشيفرة البرمجية الحالية للشركة، وتقوم بتخطيط المهام وتنفيذها. ويمثل هذا النظام عرضاً مبكراً لقدرات «الذكاء الاصطناعي المستقل» التي يأمل المستثمرون أن تفتح آفاقاً واسعة لأسواق جديدة، مع اكتساب نماذج الذكاء الاصطناعي القدرة على تنفيذ مهام معقدة بشكل مستقل.
وقال مات ميرفي، الشريك في شركة «مينلو فنتشرز» التي استثمرت للمرة الأولى في أنثروبيك عام 2023: كانت أنثروبيك ترغب في تطوير كلود داخلياً، ولكن عندما رأت مدى جودته، قامت بتحويله إلى منتج تجاري قوي. وتواجه أنثروبيك منافسة شرسة من جوجل وأوبن إيه آي، حيث أصدرت الأخيرة تحديثات لأداة البرمجة الخاصة بها، كودكس، منذ أيام. وأكد أحد المستثمرين في كل من «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» أن بإمكان كلتيهما الازدهار. وأضاف: إن براعة أنثروبيك في مجال البرمجة تختلف تماماً عن براعة «أوبن إيه آي» في دفع «شات جي بي تي» ليحل محل محركات البحث.
ويأتي إقبال المستثمرين على جولة التمويل الحالية لشركة أنثروبيك - والتي من المقرر أن تضم شركات مثل إنفيديا ومايكروسوفت وشركات رأس المال الاستثماري الرائدة، بما في ذلك «لايت سبيد فنتشر بارتنرز» و«سيكويا كابيتال» و«ألتيميتر كابيتال» – في ظل رهانهم على أن أدوات الشركة ستتجاوز ذلك، وستحدث بالفعل ثورة في وظائف ذوي الياقات البيضاء.
وقد قدمت الشركة شيكاً بقيمة مليار دولار لشركة أنثروبيك العام الماضي، وهو أكبر استثمار منفرد لها. وسعياً منها لتعزيز تفوقها، أطلقت أنثروبيك الخميس نموذجاً جديداً قوياً يدعى «كلود أوبوس 4.6».
وطورت تقنيات رائدة لتدريب نماذجها وإدارة تفاعلاتها مع التطبيقات وقواعد البيانات. كما أصدرت الشركة خلال الأيام الماضية مجموعة من الأدوات الإضافية المصممة خصيصاً لقطاعات محددة، تشمل القانون والمبيعات والتمويل والتسويق ودعم العملاء.
ويوم الجمعة، أعلنت غولدمان ساكس عن تعاونها مع شركة أنثروبيك لتطوير نظام ذكاء اصطناعي لأتمتة بعض المهام في البنك. وقد ساهمت هذه الخطوات في التسبب في موجة بيع في الأسواق المالية الأسبوع الماضي، حيث خسرت أسهم شركات البيانات وبرامج المؤسسات والإعلان والنشر مليارات الدولارات.
وقالت ليليان لي، مديرة الاستثمار في شركة بايلي جيفورد، التي دعمت أنثروبيك في عام 2025: «قصة أنثروبيك متسقة للغاية: زيادة انتشار الذكاء الاصطناعي ستفتح المجال أمام حصة سوقية أكبر. وقد يبدو هذا غامضاً للوهلة الأولى، لكن سرعان ما يتضح معناه الحقيقي»، وأضافت إن رد فعل السوق يعكس «لحظة إدراك».
وسلطت لي ومستثمرون آخرون الضوء على ثقافة الشركة الناشئة القائمة على رسالتها، باعتبارها عنصراً أساسياً في نجاحها، وفي جذب المواهب والاحتفاظ بها. ولا يزال جميع المؤسسين السبعة لشركة أنثروبيك يعملون فيها.
بحسب العديد من المستثمرين، يمنح هذا الاستقرار الشركة ميزة تنافسية على «أوبن ايه آي»، التي شهدت رحيل ثمانية من أعضاء فريقها المؤسس البالغ عددهم 11 عضواً منذ إطلاقها عام 2015. بل إنه قد تمت إقالة ألتمان نفسه لفترة وجيزة من قبل مجلس إدارة الشركة عام 2023.
وتعهدت الشركة بعدم إدخال الإعلانات في منتجاتها، لتنأى بنفسها عن منافسيها مثل «أوبن ايه آي»، التي بدأت تجربة الإعلانات في «شات جي بي تي» سعياً وراء مصادر دخل جديدة.
وتعتزم «أنثروبيك» الترويج لهذا القرار عبر سلسلة من الإعلانات التلفزيونية الساخرة، لكن ألتمان وصف على موقع «إكس» الإعلانات بأنها «مضللة بشكل واضح» و«تتماشى مع أسلوب شركة أنثروبيك في التلاعب بالألفاظ».