كذلك، سأمتلك منزلاً ريفياً صغيراً، وسيارة، وأتقاعد، وفي النهاية سأموت. لم تكن حياةً تتمتع بحرية كبيرة، لكنها كانت حياةً تحكمها قواعد نادراً ما تتغير.
لم يكن الأمر مجرد حرية، بل كان هناك أيضاً حالة من عدم اليقين، إذ لم تكن المسارات المهنية مضمونة، والحياة قابلة للانعطاف في اتجاهات غير متوقعة. لم يكن هذا الغموض عيباً، بل كان مصدراً لحيوية الغرب. لكنه بدا لي كأنه ثمن الانفتاح والتجريب والإمكانات.
ليس عدم اليقين بالمعنى المألوف للمخاطرة أو التقلب، بل بطريقة أعمق وأكثر هيكلية. إننا نعيش فترة تكاد تتلاشى فيها القدرة على التنبؤ - عصر من عدم اليقين الشديد. لقد هدم الغرب، منذ نهاية الحرب الباردة، ضوابطه الخاصة.
وتم تحرير الأسواق بوتيرة أسرع من قدرة العقود الاجتماعية على التكيف. كما اتسعت الفجوة بين الأعراق، وتضاءلت الثقة بالمؤسسات والخبرات والحقيقة المشتركة.
أما الفيزياء الكمية فهي، على النقيض من ذلك، تتعامل مع عدم اليقين باعتباره أمراً جوهرياً. وتكون النتائج احتمالية وليست حتمية. إنني أعتقد أن السياسة قد تجاوزت عتبة مماثلة. وإننا دخلنا عصر ما يمكن أن أسميه «السياسة الكمية». ويمتد هذا التحوّل إلى النظام الدولي نفسه.
وقد أوضحت الأحداث الأخيرة في فنزويلا مدى هشاشة الافتراضات الراسخة. كما ظهر شرخ مماثل في الاضطرابات المتعلقة بقضية غرينلاند.
وتتواجد المعلومات في حالات متعددة في آن واحد - أحياناً تكون ملموسة وذات سلطة، وأحياناً أخرى تكون منتشرة وغير مستقرة.
لذلك، لم تنحسر الأزمة المباشرة في غرينلاند الشهر الماضي لأن جهات خارجية نجحت في احتوائها، بل لأن القوة المزعزعة نفسها التي أشعلت فتيلها اختارت، مؤقتاً، إيقافها.
وبذلك، انطلقت سلسلة من ردود الفعل: تم تهميش أوروبا، وجرى تجاوز المظاهر الخارجية للمعايير متعددة الأطراف، وتهميش مؤسسات دولية كالأمم المتحدة. ولم يعد النظام إلى توازنه.
أما في العالم الكمي، حيث تتلاشى المعايير وتصبح الضمانات بلا معنى، فتجد الدول الصغيرة نفسها مكشوفة، ومجبرة على المناورة بين قوى أكبر مع تقلص شديد لهامش الخطأ.
وقد أسهم هذا التواصل في هدم أنظمة راسخة كانت تبدو في السابق دائمة. وتم واقعياً ضغط الزمن، فنحن ننام في واقع سياسي، ونستيقظ في آخر.
وقد وصف عالم الاجتماع زيجمونت باومان هذه الحالة بـ«الحداثة السائلة»: عالم تتلاشى فيه البنى أسرع من إمكانية إعادة بنائها. من الواضح بدرجة كبيرة أن العالم الكلاسيكي القائم على افتراضات سياسية مستقرة، وتغيير تدريجي، ونتائج متوقعة لن يعود. ومهمتنا الآن هي فهم ما ظهر، والتفكير بوضوح وهدوء واستراتيجية في كيفية التصرف في ظله.
