سارة أوكونور

يسود حالياً اعتقاد بين الجمهور البريطاني أن صافي الهجرة ارتفع العام الماضي، فيما يشير الواقع إلى أن الرقم قد انخفض بمقدار الثلثين. وليست هذه الحالة الوحيدة التي عبّر فيها الناس أخيراً عن استيائهم في انفصال واضح لتصورات الجمهور عن الواقع.

فقد صرح مارك رولي، قائد شرطة لندن، لصحيفة فاينانشال تايمز، بأنه «من المحزن والمحبط للغاية» أن الكثيرين لا يعلمون أن المدينة «آمنة للغاية». وأضاف: «أعتقد أن لدى الناس أسباباً كثيرة لتجاهل الحقائق. أرى أن البعض يسعى فقط لاجتذاب النقرات على الإنترنت، فيما البعض الآخر غاضب من العالم بشكل عام».

وحتى دونالد ترامب، أكثر السياسيين الشعبويين نجاحاً منذ سنوات، يبدو أنه سئم من الرأي العام. فقد وصف ما يسمى بأزمة القدرة على تحمل التكاليف في الولايات المتحدة بأنها «خدعة»، على حد قوله في ديسمبر.

لكن هل انفصل معظم الناس حقاً عن الواقع فيما يتعلق بالقضايا المختلفة التي يدّعون الاهتمام بها، مثل الجريمة والهجرة وتكاليف المعيشة؟ أم أن هناك عوامل أخرى مؤثرة؟

يكمن جزء من المشكلة في وجود فجوة بين المقاييس شائعة الاستخدام بين الاقتصاديين وصناع السياسات والصحفيين، وبين كيفية إدراك الناس للتغيرات في حياتهم اليومية. فعلى سبيل المثال، قد يكون التضخم في الولايات المتحدة قد انخفض من ذروة تجاوزت 7% في عام 2022 إلى أقل من 3%، لكن هذا لا يزال يعني أن الأسعار ترتفع، وإن لم يكن بالسرعة السابقة نفسها.

ويعد صافي الهجرة، بدوره، مقياساً لمعدل التغير. ففي السنة المنتهية في يونيو 2025، انخفضت الهجرة الصافية إلى المملكة المتحدة بالفعل بمقدار الثلثين، لكن هذا لا يزال يعني زيادة صافية قدرها 204.000 شخص. وبينما قد يلاحظ عامة الناس تسارع وتيرة التغير من حولهم فجأة، فمن الصعب عليهم على الأرجح ملاحظة تباطؤها.

وقال سوندر كاتوالا، مدير مركز الأبحاث «بريتيش فيوتشر»: في المناطق التي تشهد وتيرة تغيير متسارعة، قد تبدأ بالشعور بها. أما رؤية الانخفاض والشعور به، ما لم يكن انخفاضاً هائلاً في الهجرة، فهو أمر بالغ الصعوبة. يشبه الأمر إلى حد كبير كيف يمكنك رصد انخفاض معدل التضخم إلى النصف، ما دام سعر الحليب يواصل الارتفاع.

وتعد مؤشرات معدل التغيير هذه مهمة تماماً لمحافظي البنوك المركزية، وصانعي السياسات، والاقتصاديين، وعلماء السكان، لكن هذا لا يعني أن عامة الناس ساذجون لعدم تفكيرهم في العالم بالطريقة نفسها، أو لعدم متابعتهم كل تطور في هذه المؤشرات بالقدر نفسه من الاهتمام، كما لا يعني ذلك أن الرأي العام منفصل تماماً عن الاتجاهات الحقيقية، وإن كان هناك تأخير محتمل.

فبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، كانت هناك فترة تراجعت فيها الهجرة في قائمة اهتمامات الجمهور، وقد تكهن البعض آنذاك بأن هذا يعني أن الجمهور لم يكن يهتم بالأرقام في الواقع، طالما كان هناك شعور بأن «السيطرة» قد تحققت، لكن إذا رأت الحكومة في ذلك فرصة لتحرير سياسة الهجرة، فقد أثبتت خطأ فادحاً على الصعيد الانتخابي: فبعد الارتفاع الحاد في الهجرة تبع ذلك قلق عام.

مع ذلك، ثمة حالات يبدو فيها التباين بين الإحصاءات والتصورات العامة أعمق وأطول أمداً، والجريمة مثال جيد على ذلك، فقد انخفضت جرائم العنف في المملكة المتحدة منذ تسعينيات القرن الماضي، لكن قلق البريطانيين بشأن الجريمة تزايد في السنوات الأخيرة.

وبصفتك قائد شرطة أو سياسياً، يمكنك تجاهل الرأي العام ووصفه بأنه مجرد «غضب من العالم» أو «مضلل بفعل عناوين الأخبار المثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي».

أو يمكنك التفكير في احتمال أنك تغفل شيئاً مهماً حقاً للناس، كارتفاع معدلات سرقة المتاجر والخطف، على سبيل المثال. وقد تكون هذه الجرائم أقل خطورة من القتل أو الاعتداء العنيف، لكنها أكثر وضوحاً في الشوارع، وهو ما يسهم في شعور عام بالقلق وانعدام السيطرة.

وبالمثل، فإنه حتى لو انخفض صافي الهجرة إلى الصفر في المملكة المتحدة، فإذا استمرت مشكلة عبور القوارب الصغيرة، فمن غير المرجح أن يهدأ الرأي العام.

من ناحية أخرى، يعيش بعض الناس في عالم «ما بعد الحقيقة»، حيث لا يصدقون إلا ما يريدون تصديقه، أو ما تمليه عليهم منصات التواصل الاجتماعي، لكنهم ليسوا الأغلبية.

ففي استطلاع رأي أجرته مؤسسة «بريتيش فيوتشر»، رفض واحد من كل خمسة مشاركين تصديق أن أرقام صافي الهجرة قد انخفضت إلى هذا الحد.

وهذا يشير إلى أن الأغلبية منفتحة على نقاش حول سبب اختلاف الإحصاءات عن تصوراتهم، وسيكون الحوار بين صانعي السياسات والجمهور أكثر جدوى لو كان تفاعلياً.