وترسل الشركات الرواتب لموظفيها المقيمين في مختلف أنحاء العالم، ونادراً ما يفكر الناس في البنية التحتية المالية الخفية، التي تسهل هذه المعاملات وغيرها.
فيما ترى بنوك وول ستريت في توسعها تجربة محفوفة بالمخاطر قد تهدد استقرار النظام المالي، ولذا فهي تقاوم بشدة، ويكمن جوهر هذا الصراع في القواعد، التي تنظم صناعة العملات الرقمية في الولايات المتحدة، وتحديداً مسألة ما إذا كان ينبغي السماح لشركات العملات الرقمية بدفع فوائد لمستخدمي العملات المستقرة على منصاتها.
وتضغط البنوك بشدة في واشنطن، لضمان سد ما تراه «ثغرة» ضمن مشروع قانون تاريخي للعملات الرقمية يناقشه الكونغرس، والذي سيضع القواعد للقطاع بأكمله.
واندلع النقاش علناً في يناير عندما سحبت منصة «كوين بيس» دعمها بشكل مفاجئ لمسودة القانون، حيث صرح رئيسها التنفيذي، برايان أرمسترونغ قائلاً: «نفضل عدم وجود مشروع قانون على أن يكون لدينا مشروع قانون سيئ»، وتجتمع جماعات الضغط من كلا الجانبين هذا الأسبوع في واشنطن لمحاولة التوصل إلى حل وسط.
ويشير التوتر بشأن فوائد العملات المستقرة إلى مسألة أوسع نطاقاً، تتعلق بمدى وصول شركات العملات المشفرة إلى النظام المالي السائد. ويدرس مجلس الاحتياطي الفيدرالي إمكانية السماح لشركات العملات المشفرة بامتلاك حسابات رئيسية «مصغرة» لدى البنك المركزي، ما سيربطها مباشرة بأنظمة وشبكات الاحتياطي الفيدرالي، التي تتيح تحويل الأموال، وتعارض البنوك هذا الأمر أيضاً.
وقد جمع هذا القطاع 193 مليون دولار تمويلاً للحملات الانتخابية قبل انتخابات التجديد النصفي، بعد أن أنفق بالفعل ملايين الدولارات لدعم السياسيين المؤيدين للعملات المشفرة في الانتخابات السابقة. تحظى العملات الرقمية بدعم الرئيس دونالد ترامب نفسه، الذي تدير شركته العائلية عملة مستقرة خاصة بها، وقد تقدمت بطلب للحصول على ترخيص مصرفي أمريكي.
«هذه لحظة فارقة، ليس فقط للبنوك، بل لأي مؤسسة مالية أو شركة تكنولوجيا مالية تعمل في عالم لم تكن فيه العملات المستقرة في صدارة المشهد حتى الآن». ويضيف: «تحظى العملات المستقرة بتأييد الإدارة الحالية ووزير الخزانة، الذي أوضح بالفعل أنه يتوقع نمواً هائلاً في هذا المجال».
حيث أبدى المنظمون قلقهم إزاء المخاطر، التي تهدد الاستقرار المالي والخصوصية، ولذلك،تم إيقاف مشروع ليبرا، لكن في السنوات اللاحقة اكتسبت العملات المستقرة قوة كبيرة؛ إذ يبلغ حجم التداول العالمي منها حوالي 310 مليارات دولار، وفقاً لشركة «أرتيميس أناليتكس»، وهي مدعومة بمجموعة من الأصول الآمنة في الأغلب، مثل سندات الخزانة الأمريكية.
ويقول المؤيدون إنها أسرع وأرخص من أنظمة الدفع الحالية. ويقول جاك ماكدونالد، نائب الرئيس الأول للعملات المستقرة في شركة «ريبل»، التي تدير عملة «آر إل يو إس دي» المستقرة:
«نحن نحدث المدفوعات عبر الحدود. تستخدمها المؤسسات والشركات وتجار التجزئة، بالإضافة إلى العديد من التكتلات الدولية التي تحتاج إلى تحويل الأموال داخل شبكاتها، في المدفوعات عبر الحدود»، ويقول الخبراء، إن المدفوعات الفورية في أوروبا ستؤدي إلى انخفاض طلب المستهلكين على العملات المستقرة هناك.
وأقرت الولايات المتحدة لوائح تنظيمية للعملات المستقرة في يوليو 2025، ما أثار حماساً كبيراً لدى مسؤولي العملات المشفرة، الذين اعتقدوا أن ذلك سيجعل المؤسسات المالية التقليدية أكثر ارتياحاً للتداول بهذه العملات والاحتفاظ بها، وبالتالي سيزيد من نمو السوق.
لكن المسؤولين التنفيذيين في البنوك يشيرون إلى تحليل وزارة الخزانة الصادر في أبريل 2025، والذي أظهر أن حوالي 6.6 تريليونات دولار من الودائع يمكن أن تخرج من النظام المصرفي وتوضع في العملات المستقرة بدلاً من ذلك.
«هذا أمر سخيف تماماً. هذا بالضبط ما قيل عندما ظهرت صناديق سوق المال الحكومية، حيث طرحت نفس الحجج تماماً»، مضيفاً أنه لم يكن هناك استنزاف كبير للودائع آنذاك.
ويقول فيليب بايش، الأستاذ المشارك في كلية لندن للاقتصاد والرئيس السابق لفريق خبراء التكنولوجيا المالية التابع للمفوضية الأوروبية: «كل نقص في السيولة يضعف استقرار البنوك ويقلل من ربحيتها».
ويضيف: «ستنخفض السيولة في النظام المالي العام، ما يجعل الإقراض أكثر تكلفة، ويقلل من ربحية البنوك، كما سيؤثر سلباً على استقرار النظام المالي التقليدي ككل».
ويتابع: «الأمر لا يقتصر على حماية نموذج أعمال قديم، بل يتعلق بمدى اعتمادنا على النظام المالي، فالعملات المستقرة لا يمكنها تمويل اقتصادنا، لأنها غير مسموح لها بالإقراض».
ويشير التقرير إلى أن «تدفقات الودائع الخارجة من البنوك قد تحدث بسرعة وعلى نطاق واسع»، وأن وضع حدود قصوى قد يحد من عدم الاستقرار المالي الأوسع نطاقاً في حال حدوث ذلك.
ويعد هذا المقترح مثيراً للجدل، إذ يضغط المسؤولون التنفيذيون في قطاع العملات الرقمية بقوة ضده، بحجة أنه سيعيق نمو القطاع في المملكة المتحدة.
وصرح العام الماضي بأن ذلك سيسمح لشركات العملات الرقمية «بالتخفيف من القيود التنظيمية مع تقديم منتجات شبيهة بالمنتجات المصرفية»، وسيؤدي إلى «زيادة المخاطر النظامية». وصرح جيريمي ألاير، من شركة سيركل، في دافوس قائلاً: «إن الإقراض نفسه يتجه بعيداً عن المخاطرة التي تتحملها البنوك.
ويتجه جزء كبير من الإقراض نحو الائتمان الخاص». قال إنه يريد أن تكون العملات المستقرة «أداة نقدية، تخضع لإشراف احترازي، عملة آمنة للغاية، ثم نرغب في بناء نماذج للإقراض تعتمد على العملات المستقرة».
وفي مارس 2023 عندما انهار بنك وادي السيليكون انخفض سعر العملة المستقرة USDC لفترة وجيزة إلى ما دون دولار واحد، بعد أن كشفت شركة «سيركل»، مصدرة العملة، أن حوالي 8 % من احتياطاتها كانت مودعة لدى البنك المفلس. وحثت الشركة على وضع خطة إنقاذ للبنك.
والتي تمت الموافقة عليها في نهاية المطاف، لكن حدث فك الارتباط بالعملة المستقرة أبرز الروابط الدقيقة بين الخدمات المصرفية التقليدية، وشركات العملات المستقرة.
وقد يؤدي إلى اضطراب في توافر الائتمان، وبالطبع سيزداد حجم الأموال خارج النظام المصرفي، وهذا يؤثر على سياسة البنوك المركزية».
تستخدمها المؤسسات المالية بشكل أساسي لتوفير السيولة، كضمانات، ولأنها تتداول بشكل مستمر مثل أسواق العملات المشفرة، بدلاً من التداول عبر أنظمة التسوية المؤجلة كما هو الحال في معظم أسواق الأوراق المالية التقليدية.
وشجعت على إنشاء عملات مدعومة باليورو، ويدير بنك سوسيتيه جنرال الآن عملاته المستقرة الخاصة به باليورو والدولار، بينما تعاونت 10 جهات إقراض أوروبية، بما في ذلك بي إن بي باريبا ويونيكريديت، لإنشاء عملة مستقرة مدعومة باليورو، ويعمل بنك ستاندرد تشارترد مع شركاء على إنشاء رمز مميز مقوم بدولار هونغ كونغ.
أعلن رئيسا سيتي وبنك أوف أمريكا العام الماضي أنهما يدرسان إمكانية إنشاء عملات مستقرة خاصة بهما، كما دخلت باي بال وويسترن يونيون سوق العملات المستقرة، في مؤشر على سعي شركات المدفوعات للحفاظ على قدرتها التنافسية مع ازدياد انتشار الأصول الرقمية.
«لديها وظيفة دفع واضحة للغاية، وهذا أمر لا جدال فيه، كما أنها ليست شيئاً جديداً حقاً، وهذا لا يختلف كثيراً عن العملات المستقرة». في أوروبا.
حيث المدفوعات الفورية شائعة، فإن المكان الوحيد الذي تتمتع فيه العملات المستقرة بميزة كبيرة هو «القطاعات المشبوهة من الاقتصاد»، على حد قوله، لأنك إذا كنت ترغب في غسل أموالك، فهي تسهل ذلك.
حيث يستخدمها المجرمون وبعض الحكومات لتحويل الأموال دون أن يتم تعقبهم، متجنبين بذلك العقوبات. دافعت شركة «تيثر» بقوة عن نفسها ضد اتهامات تسهيلها للأنشطة الإجرامية، مؤكدة تعاونها مع وكالات إنفاذ القانون في 48 دولة، للقضاء على انتهاكات الجهات الخبيثة.
وتجري معظم البنوك الكبرى وبعض شركات إدارة الأصول مشاريع تجريبية للعملات المستقرة أو غيرها من أشكال الأموال الرقمية، مثل إيداع أموال العملاء على تقنية البلوك تشين.
ويعتقد كثيرون أن أسواق الأسهم والسندات والصناديق الاستثمارية ستعتمد على الرموز الرقمية في المستقبل، ما قد يعزز دور العملات المستقرة في النظام المالي. وفي يناير صرح ديفيد سولومون، الرئيس التنفيذي لشركة غولدمان ساكس، قائلاً:
«هذه الابتكارات مهمة»، مضيفاً أن البنك يستثمر في تقنيات، من بينها العملات المستقرة، ويجربها، بل إن بورصة نيويورك تطلق بورصة أسهم رقمية، في دلالة على مدى انتشار تقنية البلوك تشين في النظام المالي.
