إدوارد يارديني

بعد أن رشّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، من المرجح بقوة أن يحظى محافظ الاحتياطي الفيدرالي السابق بموافقة مجلس الشيوخ، وإن كان ذلك قد يتطلب من وزارة العدل التراجع عن هجومها على جيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس حالي للاحتياطي الفيدرالي في مايو.

ويمتلك وارش سيرة ذاتية ممتازة تؤهله لهذا المنصب، فخبرته واسعة في كل من الأسواق المالية وصنع السياسات الاقتصادية. وتشير خلفيته إلى أنه يمكن أن يكون رئيساً متميزاً للاحتياطي الفيدرالي. لكن قوى السوق والضغوط التضخمية ستختبره عاجلاً أم آجلاً.

وفي حين أن وارش كان تاريخياً من دعاة خفض التضخم، فقد أعرب ترامب عن ثقته بأن مرشحه «يرغب بالتأكيد في خفض أسعار الفائدة» وسيكون أكثر انسجاماً مع رؤيته لما يجب أن يفعله الاحتياطي الفيدرالي.

وقد صرّح ترامب مراراً وتكراراً برغبته في أن يخفض البنك المركزي سعر الفائدة القياسي على الأموال الفيدرالية إلى 1.0% لضمان أن يكون لدى الولايات المتحدة «أدنى سعر فائدة في العالم». وخلال الآونة الأخيرة، تبنى وارش بالكامل موقف الإدارة بشأن احتمالية حدوث «عصر ذهبي» مدفوع بطفرة إنتاجية يقودها الذكاء الاصطناعي.

وذلك بفضل السياسات المالية للرئيس المتمثلة في تخفيض الضرائب وإلغاء القيود. بل بات يدعو إلى اتفاق بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي لتحقيق ذلك، مع استمرار الاحتياطي الفيدرالي في خفض سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية.

ولطالما انتقد وارش الاحتياطي الفيدرالي. فخلال الأزمة المالية العالمية، أيد الجولة الأولى من شراء الاحتياطي الفيدرالي للأوراق المالية، والمعروفة بالتيسير الكمي، لضخ السيولة في الاقتصاد، لكنه عارض الجولات اللاحقة.

والآن، يرغب في إحياء برنامج «التشديد الكمي» الذي أوقفه الاحتياطي الفيدرالي مؤخراً لتقليص ميزانية البنك المركزي، مما قد يتيح أيضاً مجالاً لخفض سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية.

وهو يفضل ترك إدارة الدين الحكومي لوزارة الخزانة والتركيز على استخدام سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية كأداة رئيسية للسياسة النقدية.

في مقال نُشر في مارس 2023 في صحيفة وول ستريت جورنال، دعا وارش إلى «تغيير جذري في النظام الاقتصادي»، وكتب أيضاً أن على الاحتياطي الفيدرالي «التوقف عن تقديم التوجيهات المستقبلية» و«التوقف عن تقديم توقعات بشأن مسار أسعار الفائدة».

لذلك، قد يضطر مراقبو الاحتياطي الفيدرالي إلى الاستغناء عن ملخص التوقعات الاقتصادية الفصلي، الذي يتضمن «مخطط النقاط» الذي يحظى بمتابعة واسعة، والذي يُظهر توقعات أسعار الفائدة لكل عضو في لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية المسؤولة عن وضع السياسات.

ورغم أنه لم يُصرّح بذلك، إلا أنني أظن أن وارش قد يُنهي حتى تقليد المؤتمرات الصحفية التي يعقدها رئيس الاحتياطي الفيدرالي عقب كل اجتماع للجنة.

ويتفق وارش مع مسؤولين آخرين في إدارة ترامب على أن السياسات المالية، إلى جانب انخفاض أسعار الفائدة، تُحفّز بالفعل نمواً في الإنتاجية يفوق التوقعات، مما يُعزز نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ويُخفف من حدة التضخم مع انخفاض تضخم تكلفة وحدة العمل إلى ما يقارب الصفر.

ويعتقدون أن توقع هذا السيناريو يُبرر المزيد من التخفيضات في سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، وهو ما يتفق معه أيضاً اثنان من المعارضين في لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية اللذين تبنّيا هذا الرأي في الاجتماع الأخير في نهاية يناير.

لكنّ مؤشراً آخر على الضغوط التضخمية ظهر يوم الجمعة مع صدور تقرير مؤشر أسعار المنتجين لشهر ديسمبر، والذي جاء أعلى من المتوقع.

فقد ارتفع معدل التضخم الرئيسي لمؤشر أسعار المنتجين بنسبة 0.5%، مسجلاً زيادة سنوية قدرها 3.0%. وقد يكون المنتجون قد بدأوا للتو في نقل آثار ارتفاع الرسوم الجمركية وانخفاض قيمة العملة إلى باقي أطراف سلسلة التوريد.

وقد أشار وارش إلى أن الضغط التصاعدي على التضخم الناتج عن رسوم ترامب الجمركية هو ضغط مؤقت، وأن على الاحتياطي الفيدرالي مواصلة خفض أسعار الفائدة لأن التضخم سيتباطأ قريباً.

وهذا أمر مثير للسخرية بعض الشيء، إذ لطالما انتقد وارش الاحتياطي الفيدرالي لتبنيه نفس وجهة النظر بشأن التضخم في عام 2021.

وبالتالي عدم استجابته بالسرعة الكافية للمشكلة، الأمر الذي أدى إلى أزمة القدرة على تحمل التكاليف الحالية. وقد لا تتفق الأسواق المالية مع آراء وارش، حيث تكمن المشكلة في خفض سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية أكثر من ذلك، في ظل النمو الاقتصادي السريع الحالي، في أنه سيزيد من مخاطر عدم الاستقرار المالي.

وتحديداً ارتفاعاً حاداً في سوق الأسهم قد يتبعه انهيار. وخفض سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية من شأنه أن يزيد من ضعف الدولار، مما قد يؤدي إلى انتعاش التضخم وارتفاع عوائد السندات.

علاوة على ذلك، في أول اجتماع مرتقب له كرئيس للجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في 16 - 17 يونيو، قد لا يتعاون غالبية زملائه في اللجنة لدعم خفض أسعار الفائدة إذا استمر التضخم فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2.0 %.

ومن المرجح أن يشهد الاقتصاد الأمريكي ازدهارًا حينها بفضل الحوافز المالية الناتجة عن زيادة المبالغ المستردة من الضرائب في الأشهر المقبلة، والتي جاءت نتيجة تشريع صدر العام الماضي. وهكذا، قد يكون وارش من بين المعارضين القلائل ذوي الميول التيسيرية في أول اجتماع له في لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية.