ويليام ساندلوند

تراجعت عملات اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان أمام الدولار على الرغم من انخفاض العملة الأمريكية مقابل عملات مجموعة السبع، وتقلص فجوة أسعار الفائدة.

وبعد أن أدت تعريفات «يوم التحرير»، التي فرضها دونالد ترامب إلى ضعف الدولار العام الماضي، زادت التوقعات بارتفاع سريع لعملات المصدرين الآسيويين، لكن العكس هو ما حدث بالفعل، حيث يجري تداول الين الياباني والوون الكوري الجنوبي عند أدنى مستوياتهما منذ عقود، فيما فقد الدولار التايواني معظم مكاسبه مقابل الدولار الأمريكي بعد ارتفاع حاد في مايو.

وأصبح ضعف الين والوون قضية بالغة الأهمية لدرجة أن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أعرب عن مخاوفه بشأن انخفاض قيمتهما، ومنذ يوم الجمعة ارتفع الين بشكل ملحوظ وسط تكهنات بأن الولايات المتحدة واليابان تُحضّران لتدخل منسق في العملة.

والسؤال الذي يطرح نفسه على المتداولين هو: ما الذي يفسر هذا التراجع في وقت انخفض فيه الدولار مقابل عملات مجموعة السبع، كالجنيه الاسترليني واليورو؟ ولماذا يحدث ذلك رغم أن دول شرق آسيا المصدرة تحقق فوائض تجارية كبيرة، وفي وقت يسجل فارق أسعار الفائدة بينها وبين الولايات المتحدة أدنى مستوياته منذ سنوات؟

من بين التفسيرات المطروحة في هذا السياق: ارتفاع تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج بحثاً عن فرص النمو في قطاع الذكاء الاصطناعي بالولايات المتحدة، والمخاوف من عدم المسؤولية المالية في اليابان، وكذلك تأثير اتفاقيات الاستثمار التي أبرمتها هذه الدول مع ترامب.

وقال ميتول كوتيشا، رئيس قسم استراتيجية أسواق الصرف الأجنبي الآسيوية والأسواق الناشئة في بنك باركليز، إن قوة الدولار في النصف الثاني من العام الماضي، مدعومة بالنمو الاقتصادي القوي في الولايات المتحدة والإقبال الكبير للمستثمرين الآسيويين على شراء الأصول الأمريكية، كل ذلك أسهم في استمرار ضعف عملات المنطقة.

وفي تايوان أدت العمليات الضخمة لشراء شركات التأمين على الحياة للديون الأمريكية إلى ضغط هبوطي على العملة التايوانية، لا سيما بعد التغييرات المقترحة على قواعد المحاسبة التي تُلص متطلبات التحوط لاستثماراتها الخارجية، أما في كوريا الجنوبية فقد أدى إقبال المستثمرين الأفراد على شراء الأسهم الأمريكية إلى إضعاف الوون الكوري الجنوبي.

وما يفاقم الضغوط هي تلك التعهدات من جانب اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان باستثمار 550 مليار دولار، و350 مليار دولار، و250 مليار دولار على التوالي في الولايات المتحدة كونها جزءاً من اتفاقيات تجارية تم التفاوض عليها مع إدارة ترامب، خصوصاً أن هذه الاتفاقيات تتضمن ضخ تدفقات رأسمالية ضخمة إلى الخارج.

ويوم الاثنين، هدد ترامب برفع الرسوم الجمركية على كوريا الجنوبية مع تعثر مشروع قانون تنفيذ الاتفاقية في البرلمان. وقال فينسنت تشونغ، مدير محافظ الدخل الثابت في شركة «تي رو برايس»: «هناك قلق بالغ بشأن الوفاء بالاتفاقية التجارية مع الولايات المتحدة، إذ كيف ستدفع كوريا ثمن كل استثماراتها؟ وأعتقد أن اليابان تعاني إلى حد ما من الضغوط نفسها».

ووسط مخاوف بشأن تأثير ذلك على العملة رفعت كوريا الجنوبية الشهر الماضي بشكل كبير هامشها المتاح لإصدار سندات العملات الأجنبية المستخدمة لدعم قيمة الوون.

قال جيسون بانغ، المدير الأول للمحافظ الاستثمارية ورئيس قسم أسعار الصرف المحلية والصرف الأجنبي في آسيا بشركة «جيه بي مورغان لإدارة الأصول»، إن شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية في كوريا الجنوبية وتايوان ستضطر إلى الاحتفاظ بالدولارات في الولايات المتحدة لتمويل مصانعها الجديدة بدلاً من تحويلها إلى عملاتها المحلية.

وقال ريتشارد يتسينغا، كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث في بنك «أيه إن زد»، إن السياسات المالية التوسعية، التي انتهجتها رئيسة الوزراء اليابانية، سانا تاكايتشي، قد فاقمت من زعزعة استقرار الين، وهذا التأثير «يمتد» إلى عملات المنطقة الأخرى.

وكانت التوقعات بارتفاع قيمة الين العام الماضي مدفوعة جزئياً بتوقعات أن تضغط واشنطن على حلفائها الآسيويين لتقوية عملاتهم، التي لا تزال منخفضة استناداً إلى أسعار الصرف الفعلية الحقيقية، وهو مقياس مرجح تجارياً يأخذ التضخم في الحسبان، وقد أسهم ضعف العملات على المدى الطويل في زيادة الفوائض التجارية لهذه الدول مع الولايات المتحدة، وهو ما يعد مصدراً رئيسياً لغضب ترامب من النظام التجاري العالمي، كما أن المشكلات الهيكلية، مثل شيخوخة سكان شرق آسيا، تزيد من اعتماد المنطقة على الصادرات لتحقيق النمو.

قال كيت جوكس، كبير استراتيجيي صرف العملات الأجنبية في سوسيتيه جنرال: إذا كنتُ جزءاً من مجموعة دول ذات سكان متقدمين في السن، ومدخرات فائضة، واقتصادات تعتمد على التصدير، فسأكون ضمن مجموعة دول تحتاج إلى عملات ضعيفة.

ويتوقع بعض المتداولين أداء أفضل لعملات المنطقة في عام 2026، وقال جيسون بانغ من جيه بي مورغان: «لا نزال متفائلين بشأن العملات الآسيوية هذا العام».

وخلال الأشهر الستة الماضية كانت العملة الإقليمية الرئيسية الوحيدة، التي ارتفعت قيمتها مقابل الدولار هي اليوان الصيني، وقد أدى فائض بكين التجاري المتزايد إلى تأجيج التوتر العالمي، ودفع إلى مطالبات أكثر إلحاحاً برفع قيمة العملة الصينية. وأضاف بانغ: «لم يكن الأمر مفاجئاً، بل كان اختيار الدولة المناسبة هو الحل».