مارتن وولف

خلال الاجتماعات السنوية للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، استمعنا إلى خطاب دونالد ترامب غير المتماسك، والمفعم بمزيجه المعهود من التظلم والرغبة المفرطة في القوة. 

كما استمعنا في المقابل إلى خطاب مارك كارني، المصرفي المركزي السابق ورئيس وزراء كندا الحالي، والذي كان خطاباً بليغاً حول نهاية النظام العالمي القديم وخيارات «القوى المتوسطة». وكان هذا الأخير هو الحدث الأبرز.

لقد بدأ كارني خطابه بالاستشهاد بمقال لفاتسلاف هافيل، الكاتب والمعارض وأول رئيس لتشيكوسلوفاكيا في فترة ما بعد الشيوعية. في هذا المقال، رأى هافيل أن الشيوعية نجحت في الاستمرار «من خلال مشاركة عامة الناس في طقوسٍ يعلمون في قرارة أنفسهم أنها زائفة».

وبالمثل، قال كارني: «لقد تجنبنا إلى حد كبير تسليط الضوء على الفجوات بين الخطاب والواقع لما أسميناه النظام الدولي القائم على القواعد، لكن في عالم اليوم الذي تستغل فيه الترابطات كسلاح، لا يمكنك العيش في وهم المنفعة المتبادلة للتكامل عندما يصبح هذا التكامل مصدراً لتبعيتك».

وأضاف كارني أن «ما يحدث اليوم يمثل تمزقاً وليس حالة انتقالية لا انتقالاً». وكان محقاً تماماً.

لقد أصر كارني ليس فقط على أن النظام القديم لن يعود، بل أيضاً على أنه «لا ينبغي لنا أن نحزن عليه، فالحنين إلى الماضي ليس استراتيجية». ثم أتبع بهذه الجملة المهمة، وهي «نعتقد أنه من خلال هذا الانقسام، يمكننا بناء شيء أفضل، وأقوى، وأكثر عدلاً».

وهذا أيضاً أمل، وليس استراتيجية. لذلك، على المحلل الرصين أن يتساءل عما إذا كان هذا الأمل سيصبح استراتيجية، وإلى أي مدى.

كذلك، إذا أردنا تحويل الأمل إلى واقع، فعلينا أن ندرك أن المقارنة التي رسمها بين الأكاذيب التي دعمت الشيوعية وتلك التي شرّعت النظام العالمي القديم ليست دقيقة، فالأولى كانت أكاذيب صريحة: حيث فشلت الأنظمة القديمة في أوروبا الشرقية على جميع الصعد مقارنة بأوروبا الغربية، أما الثانية، فكانت أفضل حتى من أنصاف الحقائق.

لقد كانت آليات تسوية المنازعات ضمن الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة ومنظمة التجارة العالمية، على سبيل المثال، فعالة في كثير من الأحيان، حتى ضد الولايات المتحدة.

وكما يقر كارني نفسه فقد: «ساعدت الهيمنة الأمريكية، على وجه الخصوص، في توفير منافع عامة: ممرات بحرية مفتوحة، ونظام مالي مستقر، وأمن جماعي، ودعم لأطر حل النزاعات»، أي لم يكن النظام الليبرالي مجرد خيال.

والأهم من ذلك، أن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت، في مجملها، فترة نجاح هائل، بل وغير مسبوق.

كما لم يشهد العالم حرباً مباشرة بين القوى العظمى منذ الحرب الكورية في أوائل الخمسينيات. وكان انتشار الرخاء والتحسن في الصحة في معظم أنحاء العالم غير مسبوق أيضاً.

وقد أسهم انفتاح الاقتصاد العالمي على التجارة والاستثمار إسهاماً حيوياً: وأي شخص عاقل، صينياً كان أم هندياً، سيوافق على ذلك.

أما بالنسبة لصعوبات التكيف في بعض البلدان، ولا سيما الولايات المتحدة، فيعود ذلك إلى خيارات سياسية اتخذتها الدول الأكثر ازدهاراً.

وكانت الحمائية الفوضوية التي انتهجها ترامب هي النتيجة. لكنها ستفشل في مساعدة الشعوب التي من المفترض أن تساعدها.

باختصار، بات التكامل مصدراً للرخاء والهشاشة على حد سواء. ولم يكن النظام كذبة، ولكنه تحوّل إلى كذبة، نتيجة تفاعل النزعة التجارية للصين الصاعدة مع الحمائية الأمريكية المتراجعة.

وقد أدى ذلك إلى إجبار الدول على التحوط. ولا شك أن هذا التحوط سيكون مكلفاً. إذن، ما العمل الآن لتقليل الخسائر الناجمة عن هذا التمزق والانفصال؟ يقترح كارني إبرام اتفاقيات بين «القوى المتوسطة» كبديل عن «عالم الحصون».

ويستند نهجه إلى ما يسميه ألكسندر ستوب، رئيس فنلندا، «الواقعية القائمة على القيم»: ستلتزم كندا «بمبادئها الأساسية» من خلال «الانخراط على نطاق واسع، استراتيجياً، وبوعي كامل».

لنفترض أن كل قوة متوسطة تتحرك في اتجاه مماثل؛ أين سيكون هذا النهج أكثر فعالية؟ وأين سيكون أسوأ؟ وماذا قد يكون مطلوباً أيضاً لحل المشكلات؟

يعد كل من التجارة والاستثمار أسهل المجالات استدامة. ويؤدي انهيار القواعد القديمة إلى حالة من عدم اليقين المكلف، لا سيما فيما يتعلق بالتجارة مع الولايات المتحدة. إلا أن الأخيرة لم تمثل سوى 17% من واردات العالم من السلع في عام 2024. سوق ضخمة بالتأكيد، لكنها ليست السوق الوحيدة.

أما المال والتمويل فهما أكثر تعقيداً، حيث ستكون الدول المتوسطة عرضة للابتزاز من قِبل الولايات المتحدة بسبب استخدامها للدولار واعتمادها على النظام المالي الأمريكي، ما لم تجرَ إصلاحات جذرية. واقتراح استخدام الرنمينبي ليس حلاً، بل يفاقم نقطة الضعف هذه.

كذلك، يمثل الأمن تحدياً بالغ الصعوبة. فالعالم يضم ثلاث قوى نووية عظمى وقوتين عسكريتين شاملتين. وتواجه معظم القوى المتوسطة حدوداً في قدرتها على توفير الأمن لأنفسها وحلفائها.

وقد تكون هذه القوى فعالة في مواجهة بعض التهديدات، كالقرصنة على سبيل المثال، لكن ستكون هناك صعوبة أكبر في مواجهة تهديدات أخرى.

أيضاً، ستكون هناك صعوبة أكبر كثيراً في توفير بعض المنافع العامة العالمية، ولا سيما العمل المناخي، إذا ما أظهرت إحدى القوى العظمى أو أكثر معارضة شديدة.

وهنا تبرز الحاجة إلى التعاون الدولي، وربما فرض عقوبات على الولايات المتحدة. وهكذا، فإننا كلما تعمقنا في النظر إلى ما يخبئه المستقبل، ازدادت أهمية الاتحاد الأوروبي، والذي يعتبره ترامب العدو الأكبر. فمع مرور كل يوم، يفرض على الاتحاد الأوروبي مزيد من النفوذ في جميع المجالات. ولحسن الحظ، فهو ليس أعزل.

وكما يشير روبرت شابيرو، وكيل وزارة التجارة في عهد بيل كلينتون، فإن النفوذ المالي لأوروبا على الولايات المتحدة كبير، وعليها استغلاله.

في كتابه «عالم الأمس»، الذي كتبه في منفاه، قدم ستيفان زفايغ، الكاتب النمساوي الذي انتحر في البرازيل عام 1942، وصفاً للعالم المفقود لأوروبا قبل الحرب العالمية الأولى.

ونحن أيضاً نخسر عالماً ندرك جيداً أنه غير كامل، وإن كان أفضل بكثير من ذلك العالم الذي وصفه زفايغ.

وهذه المرة، يجب أن تكون أوروبا منقذة لا مدمرة. كما سيتعين على المملكة المتحدة أيضاً الانضمام إلى معارك النضال المقبلة.