مارتن وولف
خلال الاجتماعات السنوية للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، استمعنا إلى خطاب دونالد ترامب غير المتماسك، والمفعم بمزيجه المعهود من التظلم والرغبة المفرطة في القوة.
وبالمثل، قال كارني: «لقد تجنبنا إلى حد كبير تسليط الضوء على الفجوات بين الخطاب والواقع لما أسميناه النظام الدولي القائم على القواعد، لكن في عالم اليوم الذي تستغل فيه الترابطات كسلاح، لا يمكنك العيش في وهم المنفعة المتبادلة للتكامل عندما يصبح هذا التكامل مصدراً لتبعيتك».
وأضاف كارني أن «ما يحدث اليوم يمثل تمزقاً وليس حالة انتقالية لا انتقالاً». وكان محقاً تماماً.
كذلك، إذا أردنا تحويل الأمل إلى واقع، فعلينا أن ندرك أن المقارنة التي رسمها بين الأكاذيب التي دعمت الشيوعية وتلك التي شرّعت النظام العالمي القديم ليست دقيقة، فالأولى كانت أكاذيب صريحة: حيث فشلت الأنظمة القديمة في أوروبا الشرقية على جميع الصعد مقارنة بأوروبا الغربية، أما الثانية، فكانت أفضل حتى من أنصاف الحقائق.
وكما يقر كارني نفسه فقد: «ساعدت الهيمنة الأمريكية، على وجه الخصوص، في توفير منافع عامة: ممرات بحرية مفتوحة، ونظام مالي مستقر، وأمن جماعي، ودعم لأطر حل النزاعات»، أي لم يكن النظام الليبرالي مجرد خيال.
كما لم يشهد العالم حرباً مباشرة بين القوى العظمى منذ الحرب الكورية في أوائل الخمسينيات. وكان انتشار الرخاء والتحسن في الصحة في معظم أنحاء العالم غير مسبوق أيضاً.
وقد أسهم انفتاح الاقتصاد العالمي على التجارة والاستثمار إسهاماً حيوياً: وأي شخص عاقل، صينياً كان أم هندياً، سيوافق على ذلك.
أما بالنسبة لصعوبات التكيف في بعض البلدان، ولا سيما الولايات المتحدة، فيعود ذلك إلى خيارات سياسية اتخذتها الدول الأكثر ازدهاراً.
وكانت الحمائية الفوضوية التي انتهجها ترامب هي النتيجة. لكنها ستفشل في مساعدة الشعوب التي من المفترض أن تساعدها.
وقد أدى ذلك إلى إجبار الدول على التحوط. ولا شك أن هذا التحوط سيكون مكلفاً. إذن، ما العمل الآن لتقليل الخسائر الناجمة عن هذا التمزق والانفصال؟ يقترح كارني إبرام اتفاقيات بين «القوى المتوسطة» كبديل عن «عالم الحصون».
ويستند نهجه إلى ما يسميه ألكسندر ستوب، رئيس فنلندا، «الواقعية القائمة على القيم»: ستلتزم كندا «بمبادئها الأساسية» من خلال «الانخراط على نطاق واسع، استراتيجياً، وبوعي كامل».
وقد تكون هذه القوى فعالة في مواجهة بعض التهديدات، كالقرصنة على سبيل المثال، لكن ستكون هناك صعوبة أكبر في مواجهة تهديدات أخرى.
أيضاً، ستكون هناك صعوبة أكبر كثيراً في توفير بعض المنافع العامة العالمية، ولا سيما العمل المناخي، إذا ما أظهرت إحدى القوى العظمى أو أكثر معارضة شديدة.
وهنا تبرز الحاجة إلى التعاون الدولي، وربما فرض عقوبات على الولايات المتحدة. وهكذا، فإننا كلما تعمقنا في النظر إلى ما يخبئه المستقبل، ازدادت أهمية الاتحاد الأوروبي، والذي يعتبره ترامب العدو الأكبر. فمع مرور كل يوم، يفرض على الاتحاد الأوروبي مزيد من النفوذ في جميع المجالات. ولحسن الحظ، فهو ليس أعزل.
وكما يشير روبرت شابيرو، وكيل وزارة التجارة في عهد بيل كلينتون، فإن النفوذ المالي لأوروبا على الولايات المتحدة كبير، وعليها استغلاله.
في كتابه «عالم الأمس»، الذي كتبه في منفاه، قدم ستيفان زفايغ، الكاتب النمساوي الذي انتحر في البرازيل عام 1942، وصفاً للعالم المفقود لأوروبا قبل الحرب العالمية الأولى.
ونحن أيضاً نخسر عالماً ندرك جيداً أنه غير كامل، وإن كان أفضل بكثير من ذلك العالم الذي وصفه زفايغ.
