بيثان ستاتون
في البداية، ظنت لولا أن إعلان الوظيفة مزيف. فقد كان يعد بـ 90 دولاراً في الساعة للعمل عن بعد في مجالات متنوعة تشمل الاستشارات والفلسفة، لكن عندما بدأت خريجة إدارة الأعمال العمل في شركة ميركور الناشئة في وادي السيليكون، وجدت الراتب حقيقياً.
لكن فكرة فقدان وظيفتها في المستقبل تقلقها. وتوضح قائلة: «في البداية، لم نفكر أنا وزملائي الخريجون في الأمر بجدية، لكن بعد العمل مع هذا النوع من النماذج، بتنا نشعر الآن بأن الأمر قد يكون مخيفاً، مع تزايد توقع البطالة المستقبلية».
وهي جزء من قطاع فرعي متنام لتدريب الذكاء الاصطناعي، يضم شركات مثل «سكيل إيه آي»، التي تمتلك ميتا حصة 49 % فيها، و«تورينج» التي تقول إنها ستسرع من وتيرة الذكاء الخارق باستخدام الذكاء الاصطناعي في بيئات محاكاة.
وفي يوليو الماضي، أفادت التقارير أن شركة «سيرج إيه آي» تجري محادثات تمويل تقيم فيها الشركة بمبلغ 25 مليار دولار.
أما الآن، فقد باتت هذه العمالة تتألف بشكل متزايد من متعاقدين مؤهلين تأهيلاً عالياً يتقاضون أجورهم بالساعة، ومهمتهم هي توجيه وتقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي، وتدريب النماذج على كيفية أداء أعمال معرفية معقدة وذات قيمة اقتصادية عالية.
وتشمل الأدوار الحالية على منصة ميركور مجموعة واسعة من المهن، من الصحافة إلى العقارات، ومن العلاج التجميلي إلى العمل الاجتماعي.
ويقول الرئيس التنفيذي بريندان فودي، والذي أصبح وهو في الثانية والعشرين من عمره أحد أصغر المليارديرات في سان فرانسيسكو على الإطلاق، وفقاً لمجلة فوربس، إن ميركور تبني «فئة عمل» جديدة: تدريب وكلاء الذكاء الاصطناعي.
وهو يتوقع أنه خلال السنوات المقبلة، سيحتاج إلى عدد متزايد من العاملين إلى تحسين وتطوير الذكاء الاصطناعي، وتدريبه على أداء الكثير من الأعمال التي يؤدونها حالياً.
وخلال الأسبوع الماضي، حذر صادق خان، عمدة لندن، من أن الذكاء الاصطناعي ينذر بـ«بطالة جماعية» في العاصمة ما لم يتم اتخاذ إجراءات لحماية وظائف ذوي الياقات البيضاء في قطاعات مثل التمويل والخدمات المهنية والصناعات الإبداعية.
لكن التوجهات الحالية تشير إلى «قدرته على أداء الكثير من وظائف العمل المعرفي بطريقة قد تحدث تغييراً جذرياً في سوق العمل»، بما في ذلك الاستيلاء على بعض الوظائف.
ويقول إن تدريب الذكاء الاصطناعي لا يزال يتم ضمن إطار «المعلم بشري والمتدرب ذكاء اصطناعي»، لكن في مرحلة ما، يستبدل المعلم دائماً بالمتدرب، ولا نعرف حتى الآن مدى القوة التي سيبلغها الذكاء الاصطناعي».
ويقضي جاي كاتوش، أحد هؤلاء المتعاقدين، ما بين 40 و80 ساعة أسبوعياً في العمل مع ميركور. وبعد سنوات طويلة من العمل في مجال الاستشارات، يصف العمل مع الذكاء الاصطناعي بأنه مرضٍ له كثيراً.
ويقول: «أعطي الذكاء الاصطناعي مشكلة، مثل كيف يمكن لشركة مثل بوينغ التعامل مع التحدي بعد حادث تحطم طائرة والسيطرة على الأضرار، وكيف سيؤثر ذلك على العمل؟ وكيف سيجري التعامل مع أصحاب المصلحة؟ ثم انظر إلى كيفية استجابة الذكاء الاصطناعي. أنت بذلك تختبر النماذج وتصحح الأخطاء».
قد تستمر المشاريع لأسابيع عدة، دون ضمان لاستمرارية العمل. وتقول زوي كولين، خبيرة اقتصادات العمل في كلية هارفارد للأعمال، إن طبيعة العمل المؤقتة والعابرة تعني أن العمال غير محميين إذا ساهموا في بناء نماذج تهدد وظائفهم في نهاية المطاف.
ولذلك، فإنها تقترح أن يحصل مدربو الذكاء الاصطناعي على حصة من الإيرادات الناتجة عن النماذج التي تستخدم مهاراتهم ومعرفتهم. وتضيف: «يمكن للعمال أن يكونوا جزءاً من تحسينات الإنتاجية ويجنوا ثمار ذلك».
ويتوقع مستقبلاً يقوم فيه البشر بالأشياء مرة واحدة، مما يهيئ بيئة مناسبة للذكاء الاصطناعي لأداء المهمة نفسها مرات عدة مكررة.
سنتجه نحو عالم يدير فيه الجميع عشرات أو مئات من الوكلاء، ويتمثل عملهم اليومي في التفاعل مع هؤلاء الموظفين وتدريبهم على أداء أعمال ذات قيمة اقتصادية.
ووجدت دراسة أجرتها مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس، بتكليف من شركة «سكيل إيه آي» حول صناعة تدريب الذكاء الاصطناعي، أن معظم العاملين في هذا المجال يتمتعون بمستوى تعليمي عالٍ - 41 % منهم حاصلون على درجة الماجستير أو الدكتوراه - وأن 94 % منهم يمارسون أيضاً أنواعاً أخرى من العمل أو الدراسة.
وأظهرت الدراسة أن صناعة ترميز البيانات في الولايات المتحدة ساهمت بمبلغ 5.7 مليارات دولار في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة عام 2024، وأن هذا المبلغ سيرتفع إلى 19.2 مليار دولار عام 2030.
وقال متعاقد آخر إنه يستمتع بكونه في «موقع متميز» في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي. فالذكاء الاصطناعي سيساعد كثيراً»، ويضيف: «إذا لم أكن أنا من يقوم بهذا العمل ويجني منه المال، فهناك الكثيرون غيري ممن يرغبون في القيام بالشيء نفسه».
ويرى أن هذا الأمر إيجابي لمستقبل العمل. ويوضح أن المتعاقدين مع ميركور «يدربون النموذج ويعلمونه» في المجالات التي تعاني من نقص في الأيدي العاملة، مثل التمريض والقانون.
ويوضح قائلاً: «إذا كانت التكنولوجيا أكثر تأثيراً من التقديرات المتحفظة للبعض، فإن القضية الأهم ليست بالضرورة ما إذا كان العاملون الذين يدربون هذه النماذج يحصلون على تعويض عادل، بل القضية الأهم هي: ماذا سنفعل بكل هؤلاء في ما بعد؟».
