جدعون راتشمان
قد يؤدي التعرض للضرب على الرأس إلى تخلّي الناس عن تحفظاتهم.
إنك إذا تراجعت الآن، ستفقد كرامتك، وهي على الأرجح أثمن ما يمكنك امتلاكه في ظل الديمقراطية».
وبعد ساعات قليلة، تراجع أيضاً عن تهديده بفرض رسوم جمركية على أوروبا بسبب قضية غرينلاند. وقد سمحت هذه التراجعات للأوروبيين بالخروج من دافوس وكرامتهم مصونة.
ونتيجة لذلك، يتكيف جميع حلفاء أمريكا مع الواقع المتغير ويبحثون عن استراتيجية جديدة - وهو ما يفسر التأثير الاستثنائي لخطاب آخر ألقاه مارك كارني، رئيس وزراء كندا، في منتدى دافوس.
كما أن الاستناد إلى القانون الدولي والنظام القائم على القواعد يصبح بلا جدوى في هذه البيئة الجديدة. لذا، لم يعد بإمكاننا «الاعتماد على قوة قيمنا، بل على قيمة قوتنا».
لقد انتشر خطاب كارني انتشاراً واسعاً نظراً لصراحته ووضوحه بشأن ما تعنيه إدارة ترامب لحلفاء أمريكا، ولجرأته في رسم مسار للمستقبل.
وكان ترامب من بين الذين لفت انتباههم الخطاب. ففي خطابه في اليوم التالي، حذر قائلاً: «كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة. تذكر هذا يا مارك في المرة القادمة التي تدلي فيها بتصريحاتك».
لكن كارني بدأ بداية حاسمة. فقد كان عائداً لتوه من الصين، حيث وقع هناك اتفاقية تجارية جديدة. وسيسلك حلفاء أمريكيون آخرون الدرب نفسه ويتجهون إلى بكين.
وسيقوم رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بزيارة مخطط لها منذ فترة طويلة خلال الأيام القليلة المقبلة. ويمثل هذا الوضع فرصة هائلة لبكين.
فقد تجنب الصينيون التعليق على التوترات الحالية داخل التحالف الغربي، متبعين المبدأ المعروف «لا تقاطع عدوك عندما يرتكب خطأً».
أما الآن، فيحاول الأوروبيون والكنديون تطبيق المبدأ نفسه على أمريكا نفسها. ومن المفارقة أيضاً أن تقليل المخاطر من أمريكا يعني قبول المزيد من المخاطر الصينية.
وقد كان الصينيون أنفسهم رواداً في تسخير الاعتماد المتبادل كسلاح - ولننظر إلى الضغط الذي مارسوه على الولايات المتحدة واليابان وغيرهما من خلال احتكارهم شبه الكامل لمعالجة العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية.
ورداً على سؤال حول التهديد الموازي من بكين، قال كارني: إن تنويع الاقتصاد بعيداً عن أمريكا لا يمكن أن يقتصر على الصين فقط. ويتعين تطوير مجموعة متكاملة من العلاقات الجديدة، لا سيما فيما بينها.
كما يجب تعزيز شبكة الروابط الاقتصادية المتداخلة بين الهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول أمريكا اللاتينية وأفريقيا وغيرها.
فقد ذهبت حكومة ناريندرا مودي أبعد من أي اقتصاد رئيسي آخر في الحد من المخاطر الصينية، حيث سحبت التكنولوجيا الصينية من بنيتها التحتية الوطنية وحظرت تطبيقات مثل تيك توك.
وكان الجانب الآخر لهذا القرار رهاناً كبيراً على تعزيز التعاون مع أمريكا.
لكن تعريفات ترامب الجمركية، وتدهور علاقاته مع مودي، دفعا دلهي إلى عملية جذرية لإعادة الحسابات.
وينطبق الأمر نفسه على العديد من دول أمريكا اللاتينية، مثل البرازيل والمكسيك، التي تشعر بالقلق إزاء استراتيجية ترامب الجديدة للهيمنة على نصف الكرة الأرضية.
وتناول آرثر مينش، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ميسترال» الفرنسية، وهي أبرز شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي في أوروبا، التحدي التقني خلال جلسة في دافوس، مشيراً إلى أن أوروبا تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الأمريكية، حيث تستورد حوالي 80 % من خدماتها الرقمية، مثل الحوسبة السحابية، من الولايات المتحدة.
وهذا من شأنه أن يشكل خطراً جسيماً على السيادة الأوروبية، لأن «صناعتنا بأكملها ستعتمد على تكنولوجيا يمكن إيقافها إذا قررت الولايات المتحدة ذلك».
ويتم إنجاز جزء كبير منه من خلال حلف الناتو، وهي منظمة تقودها الولايات المتحدة التي هي «قائدة الفريق»، حسبما وصفها أحد كبار مسؤولي الناتو.
لكن ماذا لو كانت أمريكا نفسها هي التهديد الذي يتعين عليك الدفاع ضده؟ وقد وضعت كندا بالفعل خططاً تفصيلية لكيفية خوض حرب مع الولايات المتحدة، إذا ما وصل الأمر إلى ذلك.
وتعد فرنسا، التي سعت دائماً إلى الحفاظ على مسافة معينة من الولايات المتحدة، في وضع جيد لقيادة هذه الثورة الفكرية.
وكما قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في دافوس: «هذا ما دأبت فرنسا على قوله طوال عقد من الزمن، فنحن بحاجة إلى استقلال استراتيجي لأوروبا».
وفي الواقع، يعود إيمان فرنسا بضرورة ابتعاد أوروبا عن الولايات المتحدة إلى خمسينيات القرن الماضي في ظل قيادة شارل ديغول.
ويشعر البريطانيون بإحباط شديد من تردد فرنسا في تجاوز ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) فيما يتعلق بقضايا مثل الإنفاق الدفاعي المشترك، على الرغم من خطورة الوضع الجديد.
كما لا تزال فرنسا تحاول عرقلة أو تطلب إعادة التفاوض حول الاتفاقية التجارية الجديدة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور، التكتل التجاري لأمريكا الجنوبية، والتي كان من المفترض أن تكون مثالاً بارزاً على استراتيجية التنويع بعيداً عن أمريكا.
كما يدرك الأوروبيون وغيرهم أنهم سيضطرون، خلال الأشهر والسنوات المقبلة، إلى الاستجابة باستمرار لأزمات جديدة يسببها رئيس أمريكي مفرط النشاط. ويبدو أن ترامب سيواصل تقلباته.
فمنذ بداية العام، شن عملية عسكرية في فنزويلا، ووعد بالتدخل في إيران، وهدد بضم غرينلاند، وأرسل مئات من عملاء الحكومة الفيدرالية الملثمين إلى مينيسوتا، ورفع دعاوى قضائية ضد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، ورئيس بنك جيه بي مورغان، جيمي ديمون.
كل هذا في غضون ثلاثة أسابيع فقط، بينما لا تزال أمامه ثلاث سنوات من رئاسته.
ولا تقتصر المشكلة على الإدارة نفسها، بل تمتد لتشمل المؤسسة الأمريكية ككل.
وبالنظر إلى ميل ترامب إلى مهاجمة كل من يعارضه، فإن هذا الخوف منطقي، وإن لم يكن نبيلاً.
أما الخوف الأكبر، فيتمثل في أنه مع تبقي ثلاث سنوات على انتهاء ولاية إدارة ترامب، فإن احتمالية تسبب تصرفاته المتقلبة في أزمة كبرى عالية جداً، بدءاً من الاقتصاد العالمي وصولاً إلى النظام السياسي الدولي واستقرار الديمقراطية والمجتمع الأمريكي.
وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن تقليل المخاطر مع الولايات المتحدة هو الاستراتيجية المنطقية الوحيدة لحلفاء أمريكا.
لكن لا يمكن للدول الأخرى فعل الكثير في عالم لا تزال فيه الولايات المتحدة القوة المهيمنة.
