مايكل أكتون

تواجه «أبل» صعوبة في تسليم تحديثات لمساعدها الصوتي الذي يشغله الذكاء الاصطناعي لهواتف «آيفون»، مع تشاؤم المستثمرين بشأن إمكانية الإعلان عن اختراقات مهمة في مجال الذكاء الاصطناعي. وأفاد موظفون استقالوا مؤخراً من الشركة، لصحيفة «فاينانشال تايمز»، بأن عملاقة وادي السيليكون تضررت جراء تحديات صاحبت تحديث المساعد «سيري» باستخدام نماذج لغوية كبيرة متقدمة بإمكانها تقديم استجابات أكثر تطوراً للأوامر الصوتية.

وكانت «أبل» بصدد محاولة بناء نموذجها اللغوي الكبير الخاص بها اعتماداً على تكنولوجيا تعلم الآلة التي تشغل «سيري»، وهو منتج يستخدمه الملايين بالفعل في أفضل أجهزتها مبيعاً، وتهدف من وراء ذلك إلى توفير مساعد يمكنه خوض محادثات مع المستخدمين. ولفت مسؤولون تنفيذيون سابقون، إلى أن عملية دمج التقنيات تسببت في أخطاء برمجية، وهي المشكلة التي لم تواجه منافسي «أبل»، مثل «أوبن إيه آي» التي أنشأت مساعدين صوتيين يعتمدون في تشغيلهم على الذكاء الاصطناعي التوليدي من الصفر.

وتشكل تحديثات «سيري» جزءاً أساسياً من خدمات «أبل إنتليجنس»، وهي مجموعة من ميزات الذكاء الاصطناعي التي أفصحت عنها الشركة في مؤتمر «أبل» السنوي للمطورين خلال العام الماضي وكانت تهدف من ورائها إلى تعزيز مبيعات الأجهزة. كذلك، تواجه محاولة «أبل» لطرح ميزات الذكاء الاصطناعي في الصين، والتي تشغلها نماذج طورتها بالاشتراك مع «علي بابا»، عراقيل بسبب جهات رقابية في بكين.

وتسبب تكرار الإخفاقات في إطلاق ميزات «أبل إنتليجنس»، التي أعلنتها الشركة بالفعل، في انخفاض سقف التوقعات للمؤتمر السنوي للمطورين لهذا العام. وقال ساميك تشاتيرجي من «جيه بي مورغان»: «لقد وصلنا إلى منعطف يعلم فيه المستثمرون بالفعل ماهية الأنباء السارة المُحتملة. وأضاف: دعونا نرى أولاً ما وعدتم به العام الماضي».

وقد ألقت الصعوبات المتعلقة بالمميزات المُعتمدة على الذكاء الاصطناعي، بظلالها على أسهم عملاقة التكنولوجيا، إذ تُعد «أبل» هي الأسوأ أداء بين ما يُطلق عليها «السبع الرائعة» في عام 2025. وقد انخفضت أسهمها بنحو 18% منذ بداية العام، كما تسجل مستويات دون مؤشر «ناسداك» الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا ويظل مستقراً إلى حد كبير. كما أدت تعريفات ترامب الجمركية، والتهديدات ذات الصلة بالجانب التنافسي في الصين، علاوة على الضغوط القانونية، على خدمات «أبل» مرتفعة هوامش الأرباح، إلى انتشار القلق بين المستثمرين بشأن النمو على المدى الطويل.

ويقع «سيري» في قلب مشكلات «أبل» المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وهو المساعد الصوتي التقليدي الذي يُنظر إليه على أنه ضروري لإطلاق العنان للقدرات «الوكيلة» المتوفرة على هواتف «آيفون» وأجهزة أخرى صنعتها «أبل».

وعند إطلاق «تشات جي بي تي» في أواخر عام 2022، قال موظف رفيع سابق رفيع المستوى لدى «أبل» سبق له العمل على التكنولوجيا قبل إطلاقها، إن «الطريقة التي تتبعها الشركات في إجراء التفاعل التخاطبي تتغير بسرعة، وكان من الواضح أن سيري لم يكن مواكباً للتغير السريع». وبالإضافة إلى تشغيلها نماذج أكبر وأكثر قوة، فإن شركات «أوبن إيه آي» و«غوغل» و«بيربلكستي» أطلقت مساعدين صوتيين يُنظر إليهم على نطاق واسع أنهم أكثر ذكاء من مساعد «أبل» الصوتي.

وتمثّل رد «أبل» في تركيز مؤتمر المطورين السنوي الذي عقدته في العام الماضي على توجهها الخاص المتعلق بالذكاء الاصطناعي، إذ أشارت إلى مساعد يشغّله الذكاء الاصطناعي تتوفر لديه القدرة على قراءة شاشة المستخدم، والاستفادة من المعلومات السياقية، إضافة إلى اتخاذ إجراءات في داخل التطبيقات. وشهدت السوق بالفعل طرح مجموعة من الميزات التي يشغّلها الذكاء الاصطناعي، مثل أدوات المساعدة في الكتابة، وتوليد الصور والرموز التعبيرية، والبحث باستخدام الكاميرا.

ومع ذلك، لم تُصدِر الشركة التغييرات الموعودة على «سيري» بعد. واعترف تيم كوك، الرئيس التنفيذي لدى «أبل»، مؤخراً بأن التكنولوجيا لم تلبِ بعد «المعايير العالية للجودة» التي تضعها الشركة، وأنها «تستغرق وقتاً أطول قليلاً مما اعتقدنا». وتسببت هذه التأخيرات في سحب «أبل» للإعلانات التلفزيونية التي شاركت فيها بيلا رامزي، نجمة مسلسل «ذا لا ست أوف أس»، وكانت تروّج فيها للتحديثات الأخيرة على «سيري». كما تضررت الشركة جراء مجموعة من الدعاوى القضائية من المستخدمين ذات صلة بالدعاية الكاذبة.

وذكر محللو «بنك أوف أمريكا» أن التأخيرات الحالية لتحديثات «سيري» تعني أن «أبل» تبعد ثلاثة أعوام أو أكثر عن إطلاق «مساعد عصري فعلياً يعمل بالذكاء الاصطناعي»، وأنها تستغرق وقتاً أطول من «غوغل» وشركات أخرى تمكّنت بالفعل من دمج مثل هذه التكنولوجيا في منتجاتها.

وأدت الإخفاقات التي منيت بها الشركة إلى إجراء تغييرات داخلية، فقد شهد جون جياناندريا، الخبير في الذكاء الاصطناعي الذي اقتنصته الشركة من «غوغل» في عام 2018، سحب «سيري» منه في وقت مبكر من العام ونقله إلى عهدة مايك روكويل، وهو المسؤول التنفيذي الذي يرأس أعمال تطوير سماعة الرأس «فيجن برو».

وصرح مسؤول تنفيذي سابق لدى «أبل»، بأن فرق القيادة المُجزّأة لدى الشركة تسببت في غياب استراتيجية مُوحّدة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وفاقم من الأمر افتقار المسؤولين التنفيذيين للحماس بشأن التكنولوجيا وتخصيص موازنة كبيرة وكافية للتطوير. وثمة صعوبة أخرى تواجه «أبل»، وهي التركيز على خصوصية وأمن المستخدمين. فقد منحت الشركة الأولوية لتشغيل ميزات الذكاء الاصطناعي من خلال نماذج أصغر على أن تُحفظ بيانات المستخدم على الجهاز، وهو ما أضاف تعقيداً إضافياً للتحديات. ويتناقض هذا مع النماذج اللغوية الكبيرة، مثل تلك التي تشغّل «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن إيه آي»، وتعمل عن طريق سحابة على خوادم قوية. واعتمدت «أبل» على «أوبن إيه آي» في دمج قدرات «تشات جي بي تي» بمساعد «سيري» الصوتي.

ومنذ ذلك الحين، ألمحت «أوبن إيه آي» إلى طموحاتها في مجال الأجهزة والمعدات، فأعلن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لدى الشركة، صفقة بقيمة 6.5 مليارات دولار للاستحواذ على «آي أو»، وهي الشركة التي أسسها جوني إيف، المصمم السابق لشركة «أبل»، الذي سيعمل حالياً على تطوير منتجات لمنافسة مُحتملة. وتسببت هذه الأنباء في تراجع أسهم «أبل» بنسبة 2%.