ويدعم ذلك تحليل بيانات التوظيف التفصيلية، والتي تظهر تراجعاً في فرص العمل، خصوصاً للمبتدئين، في القطاعات والشركات التي تشهد أعلى معدلات تبني الذكاء الاصطناعي. ولكن ماذا لو كان هذا الارتباط الظاهر مجرد وهم؟ وماذا لو كانت أرقام التوظيف مجرد تضليل؟».
وقد منحنا ذلك صورة أكثر دقة لما يحدث في قطاعات محددة من أسواق العمل، مقارنة بما يمكن الحصول عليه من إحصاءات سوق العمل الحكومية.
ويظهر تحليلنا لبيانات إعلانات الوظائف من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وهولندا عدم وجود دليل واضح على أن الذكاء الاصطناعي هو السبب وراء تباطؤ التوظيف في بداية المسيرة المهنية في معظم أنحاء الغرب، بل إن التحليل يشكك في العديد من الافتراضات التي يقوم عليها هذا الطرح، حيث تتوافق تفسيرات أبسط، لا علاقة لها بالذكاء الاصطناعي، مع البيانات بشكل أفضل.
فالفترة الزمنية الفاصلة بين نشر إعلان الوظيفة، وتعيين الموظف، وبدء عمله، تعني أن بيانات التوظيف تعكس في الواقع ديناميكيات سوق العمل قبل أشهر، وليس اليوم.
وعند النظر إلى التوظيف في المناصب المبتدئة والعليا في البلدان الخمس المذكورة، نجد أن التراجع لم يبدأ في نوفمبر/ ديسمبر 2022 مع إطلاق برنامج «شات جي بي تي»، بل في منتصف عام 2022 مع الارتفاع السريع في أسعار الفائدة. ويبدو بذلك أن التباطؤ في التوظيف جاء استجابة لتدهور الأوضاع المالية، وليس بسبب الذكاء الاصطناعي. كذلك، فإن بيانات التباطؤ في التوظيف في كل من المناصب المبتدئة وذات الخبرة لا تظهر فرقاً يذكر.
وهو ما يشير إلى فتور عام في التوظيف، وليس عزوفاً خاصاً عن توظيف المبتدئين. لكن كيف يمكن تفسير ذلك، ونحن نعلم أن بطالة الشباب هي التي تشهد ارتفاعاً حاداً؟
إن تجميد التوظيف على مستوى الاقتصاد سيؤدي حتماً إلى ارتفاع معدلات بطالة الشباب، لأن العمال الأكبر سناً سيبقون في وظائفهم، بينما لا يجد الداخلون الجدد إلى سوق العمل فرصاً جديدة.
وفي تحليلهما لـصالح «مجموعة الابتكار الاقتصادي»، يظهر إيسينكو وكورتو ميليه أن مجموعة المهن نفسها التي يفترض أنها معرضة للذكاء الاصطناعي، والتي قلصت التوظيف بشكل حاد في عام 2022، كانت هي أيضاً التي فعلت الشيء نفسه عند تفشي جائحة كوفيد 19 في عام 2020، أي قبل ظهور النماذج اللغوية الكبيرة بفترة طويلة.
وهذا يخالف ما كنا نتوقعه لو كان هذا النمط مدفوعاً بفقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، ولكنه يطابق تماماً ما كنا نتوقعه لو كانت الشركات التي تبنت الذكاء الاصطناعي أكثر حساسية، بالمصادفة، لصدمة اقتصادية شاملة تنتشر بدورها إلى جميع الشركات. وكما هي الحال دائماً في هذا النوع من الدراسات، يجب أن نوضح أن أي تحليل ليس نهائياً، وأن التعريفات والمنهجيات المختلفة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة.
لكن يبدو بشكل متزايد أن أداء سوق العمل في السنوات القليلة الماضية يفسَر بشكل أفضل عند إرجاعه إلى ارتفاع أسعار الفائدة والصدمات الاقتصادية الكلية بشكل عام، أكثر من تفسيره بتأثير بالذكاء الاصطناعي، وأن هذا ينطبق على انخفاض التوظيف في الوظائف المكتبية للمبتدئين، كما ينطبق على باقي الوظائف.
في الواقع، تتوافق البيانات بشكل أفضل مع محادثة أجريتها منذ أشهر مع ستيفن إيشروود، الرئيس التنفيذي المشارك لمؤسسة موظفي الطلاب في المملكة المتحدة، والذي يتحدث بانتظام مع كبرى الشركات التي توظف الخريجين.
حينها أخبرني أن: «معظم أصحاب العمل الذين أتحدث إليهم يقولون إن الكثير من البيانات والعناوين الرئيسية تخلط بين صعوبة المناخ الاقتصادي، والقلق بشأن التوظيف، وضغوط التكاليف. لم يقل لي صاحب عمل واحد: «لقد استولى الذكاء الاصطناعي على هذه الوظائف، لذلك قللنا عدد الموظفين بسببه». لم يقل أحد ذلك». «وأضاف: هناك بعض النقاط المهمة:
ومع أنه من الواضح أن الشركات لم تقم بالاستعانة بجيش من وكلاء الذكاء الاصطناعي (خصوصاً أنني لا أرى أي دليل على أنه «واقع» حتى الآن، خارج نطاق البرمجة) بدلاً من الموظفين المبتدئين، إلا أنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي (على الأقل كفكرة، أو وعد) قد يكون عاملاً مساهماً في التباطؤ العام الذي نشهده في التوظيف على نطاق واسع.
في وقت يسعى فيه أصحاب العمل إلى خفض التكاليف أو ضبطها بسبب عدم اليقين الاقتصادي، فإن الاعتقاد السائد بين مجالس الإدارة بأن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة، وأنه من شأنه أن يزيد من إنتاجية الموظفين الحاليين (سواء أكان ذلك صحيحاً أم لا)، يرجح أنه يضيف إلى أسباب التمهل في التوظيف.
