جون بيرن ميردوخ - سارة أوكونور

في ظل ما يتوفر من كم هائل من البيانات الجديدة والتحليلات، من المهم أن نطرح السؤال التالي: ما مدى ثقتنا بأن الذكاء الاصطناعي هو السبب وراء انخفاض فرص العمل للمبتدئين في المهن التي تتأثر به، مثل البرمجيات؟ هنا يحاول كل من الكاتبين جون بيرن ميردوخ وسارة أوكونور من «فاينانشال تايمز» تقديم الإجابة كل من وجهة نظره:

بداية يكتب جون: «منذ أكثر من عام، تتوالى التقارير التي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يحل محل وظائف بداية المسيرة المهنية في المهن التي تتأثر به. وبشكل عام، يبدو هذا الطرح منطقياً - فقد ارتفعت معدلات بطالة الشباب مع انتشار الذكاء الاصطناعي.

ويدعم ذلك تحليل بيانات التوظيف التفصيلية، والتي تظهر تراجعاً في فرص العمل، خصوصاً للمبتدئين، في القطاعات والشركات التي تشهد أعلى معدلات تبني الذكاء الاصطناعي. ولكن ماذا لو كان هذا الارتباط الظاهر مجرد وهم؟ وماذا لو كانت أرقام التوظيف مجرد تضليل؟».

وعلى مدار الأسبوعين الماضيين، قمنا بتحليل بيانات ملايين إعلانات الوظائف التي شاركتها معنا شركة «لايت كاست» لتحليلات سوق العمل، والتي ترصد إعلانات الوظائف والملفات الشخصية للعاملين حول العالم.

وقد منحنا ذلك صورة أكثر دقة لما يحدث في قطاعات محددة من أسواق العمل، مقارنة بما يمكن الحصول عليه من إحصاءات سوق العمل الحكومية.

ويظهر تحليلنا لبيانات إعلانات الوظائف من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وهولندا عدم وجود دليل واضح على أن الذكاء الاصطناعي هو السبب وراء تباطؤ التوظيف في بداية المسيرة المهنية في معظم أنحاء الغرب، بل إن التحليل يشكك في العديد من الافتراضات التي يقوم عليها هذا الطرح، حيث تتوافق تفسيرات أبسط، لا علاقة لها بالذكاء الاصطناعي، مع البيانات بشكل أفضل.

وأهم ما توصلنا إليه هو انهيار الفرضيتين القائلتين إن: «الاضطراب يؤثر على الشباب أكثر من غيرهم» و«الاضطراب بدأ بالتزامن مع إطلاق شات جي بي تي».

فالفترة الزمنية الفاصلة بين نشر إعلان الوظيفة، وتعيين الموظف، وبدء عمله، تعني أن بيانات التوظيف تعكس في الواقع ديناميكيات سوق العمل قبل أشهر، وليس اليوم.

وعند النظر إلى التوظيف في المناصب المبتدئة والعليا في البلدان الخمس المذكورة، نجد أن التراجع لم يبدأ في نوفمبر/ ديسمبر 2022 مع إطلاق برنامج «شات جي بي تي»، بل في منتصف عام 2022 مع الارتفاع السريع في أسعار الفائدة. ويبدو بذلك أن التباطؤ في التوظيف جاء استجابة لتدهور الأوضاع المالية، وليس بسبب الذكاء الاصطناعي. كذلك، فإن بيانات التباطؤ في التوظيف في كل من المناصب المبتدئة وذات الخبرة لا تظهر فرقاً يذكر.

وهو ما يشير إلى فتور عام في التوظيف، وليس عزوفاً خاصاً عن توظيف المبتدئين. لكن كيف يمكن تفسير ذلك، ونحن نعلم أن بطالة الشباب هي التي تشهد ارتفاعاً حاداً؟

يجيب تقرير جديد صادر عن مركز الأبحاث «مجموعة الابتكار الاقتصادي الأمريكية» (EIG)، وضعه الخبيران الاقتصاديان في جوجل، زانا إيسينكو وفابيان كورتو ميليه، عن هذا التساؤل بالقول:

إن تجميد التوظيف على مستوى الاقتصاد سيؤدي حتماً إلى ارتفاع معدلات بطالة الشباب، لأن العمال الأكبر سناً سيبقون في وظائفهم، بينما لا يجد الداخلون الجدد إلى سوق العمل فرصاً جديدة.

العنصر الثالث في هذه المعادلة يتمثل في أن الشركات الأكثر ترجيحاً لتبني الذكاء الاصطناعي (وهي عموماً الشركات الأكبر حجماً وأكثر تركيزاً في قطاعي التكنولوجيا والخدمات المهنية) هي نفسها الشركات الأكثر تأثراً بارتفاع أسعار الفائدة والصدمات الاقتصادية الكلية الأخرى.

وفي تحليلهما لـصالح «مجموعة الابتكار الاقتصادي»، يظهر إيسينكو وكورتو ميليه أن مجموعة المهن نفسها التي يفترض أنها معرضة للذكاء الاصطناعي، والتي قلصت التوظيف بشكل حاد في عام 2022، كانت هي أيضاً التي فعلت الشيء نفسه عند تفشي جائحة كوفيد 19 في عام 2020، أي قبل ظهور النماذج اللغوية الكبيرة بفترة طويلة.

ويدعم هذا الطرح تحليلنا متعدد البلدان لبيانات «لايت كاست»، والذي يظهر أنه على الرغم من انخفاض التوظيف بشكل طفيف في منتصف 2022 في الشركات التي تبنت الذكاء الاصطناعي مقارنة بالشركات التي لم تتبناه، إلا أن هذه الفجوة قد تقلصت منذ ذلك الحين، بل وانعكست في بعض الحالات.

وهذا يخالف ما كنا نتوقعه لو كان هذا النمط مدفوعاً بفقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، ولكنه يطابق تماماً ما كنا نتوقعه لو كانت الشركات التي تبنت الذكاء الاصطناعي أكثر حساسية، بالمصادفة، لصدمة اقتصادية شاملة تنتشر بدورها إلى جميع الشركات. وكما هي الحال دائماً في هذا النوع من الدراسات، يجب أن نوضح أن أي تحليل ليس نهائياً، وأن التعريفات والمنهجيات المختلفة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة.

لكن يبدو بشكل متزايد أن أداء سوق العمل في السنوات القليلة الماضية يفسَر بشكل أفضل عند إرجاعه إلى ارتفاع أسعار الفائدة والصدمات الاقتصادية الكلية بشكل عام، أكثر من تفسيره بتأثير بالذكاء الاصطناعي، وأن هذا ينطبق على انخفاض التوظيف في الوظائف المكتبية للمبتدئين، كما ينطبق على باقي الوظائف.

وهكذا، فإن بيانات «لايت كاست» تقدم حتى الآن أقوى دعم للشكوك التي عبرنا عنها حول كيفية فهم دور ارتفاع أسعار الفائدة وانطلاق الذكاء الاصطناعي. فهل أبالغ في تبني هذا التفسير الجديد، أم تعتقدين يا سارة أننا أقرب إلى الحقيقة؟

وترد سارة أوكونور قائلة: بعد أن عبرنا بالفعل عن شكوكنا حول فكرة «الذكاء الاصطناعي يستحوذ على وظائف المبتدئين»، أعتقد أنه يجب علينا الحذر من التحيز عبر تقديم هذا التأكيد!

في الواقع، تتوافق البيانات بشكل أفضل مع محادثة أجريتها منذ أشهر مع ستيفن إيشروود، الرئيس التنفيذي المشارك لمؤسسة موظفي الطلاب في المملكة المتحدة، والذي يتحدث بانتظام مع كبرى الشركات التي توظف الخريجين.

حينها أخبرني أن: «معظم أصحاب العمل الذين أتحدث إليهم يقولون إن الكثير من البيانات والعناوين الرئيسية تخلط بين صعوبة المناخ الاقتصادي، والقلق بشأن التوظيف، وضغوط التكاليف. لم يقل لي صاحب عمل واحد: «لقد استولى الذكاء الاصطناعي على هذه الوظائف، لذلك قللنا عدد الموظفين بسببه». لم يقل أحد ذلك». «وأضاف: هناك بعض النقاط المهمة:

أولاً: من الواضح من محادثاتي مع أصحاب العمل أن الكثيرين منهم متحمسون لفكرة استخدام الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف وتقليل عدد الموظفين.

ومع أنه من الواضح أن الشركات لم تقم بالاستعانة بجيش من وكلاء الذكاء الاصطناعي (خصوصاً أنني لا أرى أي دليل على أنه «واقع» حتى الآن، خارج نطاق البرمجة) بدلاً من الموظفين المبتدئين، إلا أنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي (على الأقل كفكرة، أو وعد) قد يكون عاملاً مساهماً في التباطؤ العام الذي نشهده في التوظيف على نطاق واسع.

في وقت يسعى فيه أصحاب العمل إلى خفض التكاليف أو ضبطها بسبب عدم اليقين الاقتصادي، فإن الاعتقاد السائد بين مجالس الإدارة بأن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة، وأنه من شأنه أن يزيد من إنتاجية الموظفين الحاليين (سواء أكان ذلك صحيحاً أم لا)، يرجح أنه يضيف إلى أسباب التمهل في التوظيف.

ثانياً: بالنظر إلى التاريخ، فإننا ما زلنا في المراحل الأولى جداً لهذه التقنية. فمجرد عدم رؤيتنا لدلائل على اتجاهات إحلال وظائف كبيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي حتى الآن، لا يعني أننا لن نراها. ما زلت متشككاً في أننا نتجه بسرعة نحو «نهاية العمل».