كريس جايلز

تشير الكثير من التوقعات في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى أن الوصول إلى صافي هجرة صفري بات قريباً. وتثير هذه التوقعات سؤالين: هل هي معقولة؟ وهل يعد إعادة توازن تدفقات الهجرة انتصاراً اقتصادياً وسياسياً أم كارثة؟

فيما يتعلق بالسؤال الأول، من المهم عدم الخلط بين المعقولية واليقين، فالاقتراب من صافي هجرة صفري أمر معقول، لكن البيانات في كلا البلدين غير دقيقة، كما أن أرقام صافي الهجرة حساسة للغاية لأي خطأ بسيط في التقديرات.

في الولايات المتحدة، تشير تقديرات معهد بروكينغز إلى أن صافي الهجرة تحول إلى السالب في عام 2025، بينما يعتقد مكتب الميزانية في الكونغرس أن صافي المهاجرين تجاوز 400 ألف مهاجر. ويعود هذا الاختلاف إلى تباين بشأن مستوى عمليات الترحيل في العام الماضي، وما إذا كانت الإجراءات التي اتخذتها وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك في عهد دونالد ترامب قد شجع مهاجرين آخرين على الرحيل أم لا.

بموازاة ذلك، لا تقل بيانات المملكة المتحدة إشكالية، فبعد انخفاض أرقام صافي الهجرة الرسمية عن المتوقع إلى 204.000 مهاجر في السنة المنتهية في يونيو الماضي، يتوقع جيمس باوز، الباحث في جامعة وارويك، أن يكون صافي الهجرة صفراً هذا العام. في المقابل، يتوقع مرصد الهجرة بجامعة أكسفورد انخفاضاً مؤقتاً إلى نحو 250.000 مهاجر هذا العام، قبل أن يرتفع إلى 340.000 مهاجر بحلول نهاية العقد.

ويعود هذا الاختلاف في الغالب إلى تقدير نسبة الخريجين الأجانب وحاملي تأشيرات العمل الذين قدموا إلى المملكة المتحدة في موجة عام 2022 والذين بقوا فيها حتى عام 2026. كما يعتمد هذان التقديران على البيانات الرسمية لحركة المواطنين البريطانيين، والتي تستند إلى تفسير مبسط لسجلات الضرائب والضمان الاجتماعي.

فإذا لم تسجل ضرائبك لسنوات عدة، سيفترض الإحصائيون أنك هاجرت. وهذا مهم في حساب صافي الهجرة، ولكنه قد يكون خاطئاً تماماً.

وقد يظن البعض أن سياسة خفض صافي الهجرة سهلة. لكن في أمريكا، كان الأمر كذلك. وفي كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع، تفاخر ترامب بأن الولايات المتحدة سجلت هجرة عكسية لأول مرة منذ 50 عاماً، قائلاً: «يا له من إنجاز رائع!».

وربما كانت وزارة الأمن الداخلي متساهلة في استخدامها للأرقام، لكنها وصفت ارتفاع حالات «الترحيل الذاتي» بأنه «تاريخي». أما في المملكة المتحدة، فالوضع أكثر تعقيداً. فرغم أن رئيس الوزراء قال: إن انخفاض صافي الهجرة إلى المملكة المتحدة «خطوة في الاتجاه الصحيح»، إلا أن أصواتاً من اليمين اعتبرت مغادرة مواطنين بريطانيين وبولنديين ورومانيين للبلاد دليلاً على فشل حكومته.

وللوصول إلى صافي صفري للهجرة عواقب اقتصادية متعددة. أولها يتعلق بالقواعد العامة. فبدلاً من اعتبار خلق الاقتصاد الأمريكي لحوالي 150 ألف وظيفة شهرياً أمراً طبيعياً، كما كانت الحال في عامي 2023 و2024، أصبح هذا الرقم الآن على الأرجح صفراً أو حتى سالباً. كما أن الوصول إلى هذا الصافي الصفري سيقضي على ثلاثة أرباع نمو عدد السكان البالغين في المملكة المتحدة.

كذلك، سيؤثر انخفاض عدد السكان والوظائف بشكل كبير على نمو الناتج المحلي الإجمالي. وتشير تقديرات معهد بروكينغز إلى أن النمو المحتمل في الولايات المتحدة سينخفض بنحو 0.2 نقطة مئوية، بينما سيكون للوصول إلى الصافي الصفري في المملكة المتحدة تأثير أكبر نظراً لأهمية هذا الانخفاض مقارنة بحجم السكان.

ويقدر مكتب مسؤولية الميزانية أن نمو السكان البالغين يساهم بنسبة 0.7 نقطة مئوية في معدل النمو المحتمل للمملكة المتحدة، وبالتالي فإن 0.5 نقطة مئوية من النمو سنوياً معرضة للخطر.

ونظراً لأن المهاجرين يساهمون في الإيرادات الضريبية ورسوم التأشيرات، لكنهم لا يحصلون سوى على القليل من المزايا الحكومية، فإن الصافي الصفري للهجرة ستكون له آثار مالية فورية، والتي ستكون أكبر في المملكة المتحدة.

ولن يحدث انخفاض لمرة واحدة في عام 2026 فرقاً كبيراً، لكن إذا انخفض معدل الهجرة الصافي على المدى الطويل من 340 ألفاً إلى الصفر، فإن ذلك سيعرض القواعد المالية للحكومة للخطر، وفقاً لمكتب مسؤولية الميزانية، وذلك حتى مع المساحة الإضافية التي أضافتها راشيل ريفز في الميزانية.

في الوقت نفسه، من المهم عدم المبالغة في تقدير التداعيات، فانخفاض الناتج المحلي الإجمالي الموزع على العدد الإجمالي للسكان يعني تغييراً طفيفاً في مستويات المعيشة.

كما لا تتأثر السياسة النقدية بشكل عام، لأن انخفاض الهجرة مثلما يحد من عرض العمل، فإنه يقلص أيضاً من الطلب عليه واستهلاكه، ما يقلل من تأثيره على التضخم. أما بالنسبة للسياسة المالية، فالوضع مختلف، إذ تتأثر المالية العامة بشكل واضح على المدى القصير، ما يجعل تطبيق القواعد المالية في المملكة المتحدة أو خفض العجز في الولايات المتحدة أكثر صعوبة.