آلان بيتي
يجمع كثيرون على أن كلمة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني هي الأفضل في دافوس هذا العام؛ بل قد تكون الأفضل على الإطلاق في دافوس، فقد وجّه كارني تحذيراً شديد اللهجة مفاده أن على الدول متوسطة الحجم إنشاء نظام مرن ومتعدد المستويات ليحل محل النظام الدولي المتهالك الذي ترعاه الولايات المتحدة.
لكننا سمعنا، على الأقل في مجال التجارة، كلاماً مشابهاً من قبل، ومع ذلك لم يطرأ تغيير يذكر. ففي عام 2017، وخلال إدارة ترامب الأولى، شددت وزيرة الخارجية الكندية آنذاك، كريستيا فريلاند، على أن «حقيقة أن صديقنا وحليفنا بات يشكك في قيمة دوره القيادي العالمي تبرز بوضوح أكبر ضرورة أن نرسم نحن مسارنا الواضح».
وبعد ثلاثة أشهر، دخلت اتفاقية التجارة التي أبرمتها كندا بشق الأنفس مع الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ. وتضمنت الاتفاقية آلية مبتكرة لدمج أسواق الخدمات المهنية من خلال اتفاقيات الاعتراف المتبادل. إلا أن أولى هذه الاتفاقيات، بين المهندسين المعماريين الأوروبيين والكنديين، احتاجت إلى تسع سنوات أخرى من المفاوضات قبل أن تدخل حيز التنفيذ يوم الاثنين من هذا الأسبوع.
كندا ساهمت كذلك في إنقاذ اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP) لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بعد انسحاب ترامب منها عام 2017. وقد أطلقت هذه الاتفاقية، التي تضم في معظمها دولاً متوسطة الحجم في مجال التجارة، في ديسمبر 2018 تحت مسمى اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ (CPTPP)، ويبلغ عدد أعضائها حالياً 12 عضواً. ومع ذلك، لم تسهم هذه الاتفاقيات في تنويع التجارة الكندية بشكل ملموس. فقد انخفضت حصة الولايات المتحدة من الصادرات الكندية من منتصف الثمانينيات في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية إلى منتصف السبعينيات بحلول عام 2010، ثم استقرت عند هذا المستوى.
وصحيح أن حصة الولايات المتحدة انخفضت إلى أقل من 70% منذ ربيع عام 2025، ولكن يعزى جزء من هذا الانخفاض على الأرجح إلى تراجع الارتفاع الحاد الذي شهدته في وقت سابق من هذا العام نتيجة تسريع المستوردين الأمريكيين جهودهم لاستباق موعد فرض تعريفات ترامب الجمركية. إذا استمرت حملة التعريفات الجمركية التي يقودها ترامب في التراجع، فمن المرجح أن تستمر الولايات المتحدة في الاستحواذ على الجزء الأكبر من الصادرات الكندية. وما يثير القلق، أنه بالنسبة للمستأجرين متوسطي الحجم الذين يعيشون فوق جارٍ يثير الكثير من الجلبة والاضطراب، تبقى الجغرافيا هي التي تحدد مصيرهم إلى حد كبير. كذلك، فإن سعي دول مثل كندا لإيجاد شركاء موثوقين يواجه قيوداً سياسية من كلا الجانبين. كما أنه، في نهاية المطاف، تدار جميع جوانب الحوكمة العالمية على المستوى المحلي أولاً.
إن كندا تمتلك ثراءً في المعادن، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة، لكن محاولات إبرام اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي مستمرة منذ سنوات دون تحقيق نتائج تذكر. وقد اقترحت اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ والاتحاد الأوروبي التعاون لبناء علاقات خارج نطاق النفوذ الأمريكي، إلا أن إصرار بروكسل على السيادة التنظيمية حال دون تجاوز المبادرة مرحلة الصياغة. وقد صوت البرلمان الأوروبي يوم الأربعاء على تأجيل التصديق على اتفاقية تجارية مع ميركوسور، التكتل التجاري لأمريكا الجنوبية، متجاهلاً أي اعتبارات جيوسياسية.
وقد أعلن كارني أخيراً عن اتفاقية مع الصين، تقضي بإنشاء حصة استيراد تبلغ 49 ألف سيارة كهربائية مقابل تخفيض الرسوم الجمركية على زيت الكانولا الكندي. وهذه خطوة بارعة في الدبلوماسية الاقتصادية، لكنها ضئيلة مقارنة بسوق السيارات الكندية الجديدة التي يبلغ حجمها قرابة مليوني سيارة سنوياً. ومن الطبيعي أن يحرص كارني على مراعاة مصالح أونتاريو، حيث تتركز معظم وظائف قطاع السيارات في كندا البالغ عددها 125 ألف وظيفة، والتي تعتمد على سلاسل إمداد متكاملة بإحكام مع الولايات المتحدة.
من ناحية أخرى، لا تزال كندا في حالة جمود مع المملكة المتحدة. فقد تعثرت المحادثات الرامية إلى تحديث اتفاقية التجارة الثنائية بينهما، لأن لندن تطالب بمزيد من الصلاحيات في سوق الجبن الكندي شديد الحمائية، أكثر مما ترغب أوتاوا في منحه، في حين تنتقد كندا بشدة لوائح الغذاء البريطانية.
وتكمن إحدى أبرز المشكلات في أن المؤسسات التي قد تسهل دبلوماسية القوى المتوسطة ضعيفة بدرجة كبيرة. وقد أشار كارني بحق إلى أن منظمة التجارة العالمية «تم إضعافها بشكل كبير»، حتى أن مبدأ الدولة الأكثر رعاية، وهو أحد مبادئها الأساسية، بات مهدداً. وتحاول بعض الحكومات استخدام المنظمة لعقد اتفاقيات «متعددة الأطراف»، لكن الهند تصارع لعرقلتها. وكما ألمح كارني نفسه، تعتقد العديد من الدول ذات الدخل المنخفض أن النظام متعدد الأطراف يدار بما يخدم مصالح الدول الغنية، وهي تخشى تكرار هذه التجربة.
إن تحليل كارني صحيح، ومنهجه جيد من حيث المبدأ، لكن الأمر استلزم الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية لكي تتغلب الدول على نزعاتها الحمائية والانعزالية وتبني نظام متعدد الأطراف. لذلك، سيتطلب الأمر وقتاً طويلاً، وربما المزيد من التخريب من جانب ترامب، لتحفيز ذلك النوع من النظام المرن للتعاون متعدد المستويات بين الدول المتوسطة الحجم الذي يطمح إليه كارني.
