مجلس التحرير

طوال ولايته الأولى، وبعد مرور السنة الأولى من ولايته الثانية، تجاوز دونالد ترامب حدود ما يمكن تصوره من رئيس أمريكي، إلا أن تهديداته تجاه غرينلاند تشكل نقطة تحوّل، فقد وضع عبر تهديداته الجمركية بشأن هذه الجزيرة القطبية أمريكا وأوروبا على حافة مواجهة اقتصادية، وإذا ما أقدمت الولايات المتحدة على خطوة تجاه هذه المنطقة الدنماركية، فقد يؤدي ذلك إلى نهاية حلف الناتو، ويعد الآن سؤال إمكانية إقناع ترامب بالعدول عن تهديداته سؤالاً وجودياً للتحالف عبر الأطلسي، الذي تأسس عام 1945.



لا يمكن لأوروبا أن تستسلم وتسمح بتجاهل تهديدات ترامب بفرض تعريفات جمركية على ست دول من الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى المملكة المتحدة والنرويج، في حال حدوثها، ومع ذلك ينبغي على القادة الأوروبيين الحذر من إطلاق العنان لتصعيد قد يخرج عن السيطرة، وهكذا يجب عليهم إفساح المجال لحلول تفاوضية إبداعية.

وبالنسبة للأوروبيين ينبغي أن تبدأ عملية تحديد الخطوات التالية بتقييم موضوعي لنقاط القوة والضعف، فرغم ثقل أوروبا الاقتصادي، إلا أن اعتمادها على الولايات المتحدة في كل شيء، بدءاً من الحوسبة السحابية، وصولاً إلى دعم أوكرانيا، يمنح البيت الأبيض تفوقاً في القدرة على التصعيد، وفيما أجبرت الصين ترامب على التراجع جزئياً عن الرسوم الجمركية العام الماضي بتهديدها بفرض قيود على المعادن النادرة فإن أوروبا تفتقر إلى سلاح تجاري ذي فعالية مماثلة، وعلى عكس بكين، لم تُمضِ أوروبا سنوات في التخطيط لمواجهة مع الولايات المتحدة، لكن عدم كون أوروبا مثل الصين قضية لها وجهان، فعلى عكس بكين ينظر جزء كبير من المجتمع السياسي والأمني والتجاري الأمريكي برعب إلى احتمال حدوث قطيعة شاملة مع أوروبا، وينبغي على الأوروبيين أن يدركوا أنهم يتعاملون مع ترامب وحاشيته، وليس مع المؤسسة الأمريكية الموحدة.

ويمكن أن يؤدي تراجع شعبيته محلياً، وتفاقم أزمة القدرة على تحمل التكاليف بين الأمريكيين إلى إعطاء ترامب كل حافز لخلق عوامل تشتيت، ومع ذلك فحتى فيما يتعلق باعتقاله المفاجئ للدكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو تظهر استطلاعات الرأي انقساماً في الرأي العام الأمريكي، كما أن التأييد لاستخدام الجيش الأمريكي ضد غرينلاند أقل بكثير، وكان رد فعل سندات الخزانة الأمريكية والدولار سلبياً تجاه تهديدات ترامب، كما قد تصدر المحكمة العليا قريباً حكماً ضد الأساس القانوني الذي استند إليه في فرض الرسوم الجمركية.

يؤكد كل ذلك ضرورة أن تجمع أوروبا بين رد تجاري قوي ومشاركة سياسية مستمرة وفعالة، وسيكون من الصواب أن يعلق الاتحاد الأوروبي اتفاقية التجارة بينه وبين الولايات المتحدة التي أبرمت العام الماضي، والتي أنهت حرباً تجارية كانت تلوح في الأفق آنذاك، لكنها في الواقع شرعت استخدام ترامب للرسوم الجمركية وسيلة إكراه، كما ينبغي على التكتل أن يكون على أهبة الاستعداد لفرض رسوم جمركية انتقامية على سلع أمريكية بقيمة 93 مليار دولار إذا مضت إجراءات ترامب الجديدة قدماً.

قد يحتاج الاتحاد الأوروبي، مع مرور الوقت، إلى تفعيل آلية مكافحة الإكراه، ما يمكنه من اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، لكن دعوة فرنسا للقيام بذلك ليست بالضرورة مفيدة في الوقت الراهن، وينبغي أن تكون الرسائل السياسية من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والنرويج ثلاثية الأبعاد:

-أولاً، على الرغم من إصرار ترامب على الحاجة النفسية إلى «تملك الجزيرة» يمكن للولايات المتحدة تحقيق جميع أهدافها الأمنية والاقتصادية في غرينلاند دون هذا التملك.

-ثانياً، حلف الناتو مستعد لبذل المزيد لتعزيز الأمن في القطب الشمالي، حتى وإن بدا أن مناورة غرينلاند الصغيرة، التي أجرتها الدول الثماني المستهدفة حالياً بالتعريفات الجمركية قد أساء ترامب فهمها، واعتبرها استفزازاً.

-ثالثاً، من شأن انهيار الناتو أن يضر بأمن الولايات المتحدة والقطب الشمالي، إذ سيقضي على التعاون في شمال المحيط الأطلسي، وهو ما سيمثل تشجيعاً لموسكو.

مع ذلك ينبغي ألا تقتصر مهمة ردع ترامب على الأوروبيين وحدهم، فبينما أعلن بعض الجمهوريين، وإن كان متأخراً، خلافهم مع الرئيس بشأن غرينلاند، ينبغي على المزيد من المشرعين وقادة الأعمال التعبير بقوة عن آرائهم، فحتى وإن تحملت الولايات المتحدة نصيباً غير متناسب من العبء العسكري للحلف عبر الأطلسي فقد جنت فوائد جمة على صعيد التجارة والأمن وبسط النفوذ، وهكذا إن السماح لترامب بتدميره، بسبب غرينلاند، سيكون قمة في الفشل وسوء التصرف.