مارتن وولف
خلال الأحد عشر شهراً الأولى من عام 2025، حققت الصين فائضاً جمركياً تجارياً تجاوز تريليون دولار.
لكن لماذا تحقق الصين مثل هذه الفوائض التجارية الضخمة، ولماذا تتخلى الولايات المتحدة عن السياسات التجارية الليبرالية نسبياً التي اتبعتها خلال العقود الثمانية الماضية؟ الجواب هو عودة النزعات التجارية.
وكان اعتقاد التجاريين الأساسي أن السياسة الاقتصادية الدولية يجب أن تكون في المقام الأول أداة من أدوات قوة الدولة.
ولأن القوة، على عكس الرخاء، نسبية، ينظر التجاريون إلى الانخراط الاقتصادي الدولي على أنه «محصلة صفرية»: أنت تربح، وأنا أخسر.
ويُقدّر التجاريون الإنتاج المحلي كثيراً، ويُحبّذون الفائض التجاري والحماية من الواردات. وقد كتب آدم سميث كتاب «ثروة الأمم» في القرن الثامن عشر كحجة لصالح التجارة الحرة، في مواجهة هذه النزعة التجارية.
ومع ذلك، وكما يجادل الخبير الاقتصادي الكندي إريك هيلينر، فإن هذه النزعة التجارية الجديدة المعاصرة تُحيي جزئياً أفكاراً تجارية جديدة سابقة، ولا سيما أفكار شخصيتين كان لهما تأثير كبير في القرن التاسع عشر، وهما أول وزير للخزانة الأمريكية ألكسندر هاميلتون، والمنظّر السياسي الألماني فريدريك ليست، وكلاهما دعا إلى حماية الصناعات الناشئة.
ووفقاً لهذه الرؤية، كانت الصين، بفوائضها التجارية الضخمة باستمرار، هي المحرض الرئيسي».
ويرى أن هدفهم هو الهيمنة على التصنيع العالمي. ويتوافق هذا المنظور مع التوجهات المعلنة لصناع السياسات الصينيين على مدى عقود. من المؤكد أن الصين لم تعالج قط مشكلتها الهيكلية المزمنة المتمثلة في فائض المدخرات.
وفي الآونة الأخيرة، برز حلٌّ مفضل يتمثل في الاستثمار الضخم في الصناعات التحويلية المتقدمة، مما يُولّد فائضاً في الطاقة الإنتاجية ويزيد الصادرات: يعني هذا أن النزعة التجارية الصينية متأصلة اقتصادياً وسياسياً.
ولذا، يُشير أرفيند سوبرامانيان إلى أن «صادرات الصين من السلع ذات القيمة المضافة المنخفضة إلى الدول النامية تشهد ارتفاعاً حاداً، مما يُقوّض القدرة التنافسية للصناعات المحلية في هذه الدول».
وهكذا، فإن تفاعل هذه النزعة التجارية الصينية مع الحمائية الأمريكية، والذي يُؤدي إلى استنزاف موارد الدول المجاورة، سيُلحق الضرر بالعالم أجمع.
فقد خاضت القوى التجارية صراعات مستمرة فيما بينها: فبريطانيا وفرنسا، وهما من القوى العظمى في أوروبا، كانتا في حالة حرب متقطعة بين عامي 1689 و1815. أما غزو الولايات المتحدة لفنزويلا، والذي يبدو أنه بدافع اقتصادي، فهو استيلاء استعماري كلاسيكي على الموارد.
وربما سيستمر الخوف من الأسلحة النووية في كبح جماح الحرب، لكن ليس من السهل الفصل بين الاحتكاك الاقتصادي الحاد والصراع المباشر. وعموماً، يثير انتصار النزعة التجارية الجديدة سؤالين أساسيين:
لكن من غير المرجح أن يكون هذا الانقسام سلساً، لأن مصالح القوى العظمى متداخلة. وعلى سبيل المثال، من غير المرجح أن تتخلى الولايات المتحدة ببساطة عن جنوب وشرق آسيا للصين.
أما اليوم، فعملة العالم (سواء رغبنا في ذلك أم لا) تتكون من عملات ورقية وطنية، وعلى رأسها الدولار. وسيكون استبدالها أمراً بالغ التعقيد. والأهم من ذلك، أن الاقتصاد العالمي اليوم أكثر تكاملاً، في جميع جوانبه تقريباً، من أي اقتصادٍ وُجد في العصور السابقة.
لذلك، من المرجح أن تكون تكاليف التفكك باهظة تبعاً لذلك، لا سيما بالنسبة للدول الصغيرة والهشة.
ولعل من المفاجئ أن هذه الفكرة ليست جديدة: فقد كانت معاهدة سلام كهذه عنصراً هاماً في التسوية الليبرالية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، والتي تعمل الصين والولايات المتحدة بقيادة ترامب على تدميرها معاً.
وهذا يختلف تماماً عن حجج الاقتصاديين المؤيدين للتحرير الأحادي. لكنه أثبت فعاليته، لا سيما عند دمجه مع مبادئ أكثر ليبرالية كعدم التمييز والمعاملة الوطنية.
وفي إطار ذلك، يمكن تضمين ما سعى إليه جون ماينارد كينز في بريتون وودز، ألا وهو إيجاد طريقة لمكافحة الفوائض التجارية الهيكلية الضخمة. فقد كان يرى أنها تفرض قيوداً مدمرة على الآخرين.
في أربعينيات القرن الماضي، لم يستطع إقناع الولايات المتحدة، التي كانت آنذاك دولة ذات فائض ضخم.
واليوم، لا تقتصر هذه الظاهرة على الولايات المتحدة فحسب، بل ربما الصين أيضاً، التي قد تدرك أن سياستها التجارية الحمائية تخلق صعوبات اقتصادية كلية وجزئية خطيرة.
كما يحتاج صناع السياسات إلى الاستجابة لذلك، بشكل إبداعي.
