أنانثا لاكشمي

تعمل مجموعة من الأشخاص بإحدى البنايات في قلب مدينة سيهانوكفيل الساحلية الكمبودية، وعينها على هدف واحد: الاحتيال على مستخدمي الإنترنت حول العالم وسرقة أكبر قدر ممكن من أموالهم. 

يبدأ هؤلاء يومهم بنص مكتوب مُعدّ مسبقاً لجذب الضحايا المحتملين بوعد الحب والثراء، وذلك وفقاً لشاب كمبودي يبلغ من العمر 18 عاماً يعمل في المبنى، وكان من الطبيعي أن يرفض الكشف عن اسمه خوفاً من الانتقام.

يقول إن نصه مكتوب بإحدى اللغات العالمية، بمجرد أن ينجح في استمالة ضحية ما، يحيلها إلى «فريق اغتيال».

ويُعرف هذا النظام باسم «ذبح الخنازير»، حيث يبني المحتالون ثقة الضحايا تدريجياً قبل «ذبحهم» أو الاحتيال عليهم.

وبالنسبة للشاب الكمبودي البالغ من العمر 18 عاماً فإن المال هو الدافع. فهو يتقاضى 500 دولار شهرياً كراتب، أي أكثر من ضعف الحد الأدنى للأجور في صناعة الملابس المزدهرة في البلاد.

وتُعدّ عمليات الاحتيال هذه جوهر صناعة عالمية بمليارات الدولارات، مصممة لخداع ملايين الأشخاص من خلال الاحتيال العاطفي، والعملات المشفرة، والاستثمار، وفقاً لكبار الباحثين والسلطات الغربية.

وقد حولت عمليات الاحتيال مدينة سيهانوكفيل، التي كانت وجهة ساحلية هادئة للمسافرين الشباب والعرسان، إلى مركز لجرائم الإنترنت، حيث تعمل الشبكات الإجرامية من داخل الكازينوهات والفنادق والمجمعات السكنية.

يقول جاكوب سيمز، الباحث في مركز آسيا بجامعة هارفارد وكبير مستشاري جرائم الإنترنت العابرة للحدود في شركة «إنكا ديجيتال»: «كمبوديا هي مركز هذه الجرائم. إنها المحرك الاقتصادي الأكبر في منطقة ميكونغ بأكملها».

وخلال الأسبوع الماضي ألقت كمبوديا القبض على تشن تشي، المولود في الصين، ورئيس مجموعة «برينس» المتهم بأنه العقل المدبر لإحدى أكبر منظمات الاحتيال الإلكتروني في آسيا، وأعادته إلى الصين، كما اتخذت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إجراءات مماثلة.

وفي أكتوبر فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مجموعة «برينس» التي تدير عشرة مراكز احتيال في كمبوديا، ووجهت اتهامات لتشن، مستشار رئيس الوزراء الكمبودي السابق هون سين.

وقالت الولايات المتحدة إن الأمريكيين خسروا ما لا يقل عن 10 مليارات دولار في عام 2024 نتيجة عمليات الاحتيال في المنطقة.

ويُقدّر معهد السلام الأمريكي أن مراكز الاحتيال في جنوب شرق آسيا سرقت 64 مليار دولار في عام 2023.

ومع ذلك لم تؤثر هذه الإجراءات إلا قليلاً على مراكز الاحتيال على أرض الواقع، حيث تعمل هذه المراكز بحماية سياسية، وفقاً لباحثين وسلطات أمريكية.

وذكر سيمز أن صناعة الاحتيال في كمبوديا «متشابكة بعمق مع الاقتصاد السياسي للنخبة في البلاد»، مُقدّراً وجود ما بين 250 و350 مركزاً للاحتيال في كمبوديا، مقارنة بما بين 150 و250 مركزاً في ميانمار ولاوس.

ووُلد تشين تشي في الصين، وحصل على الجنسية الكمبودية عام 2014، وهي خطوة سمحت له بامتلاك أراضٍ في البلاد. وبعد عام أسس مجموعة برينس، وفي عام 2020 حصل على لقب فخري، استلزم تبرعاً بقيمة 500 ألف دولار للحكومة.

وقامت بنوم بنه بسحب جنسيته الأسبوع الماضي، وقالت وزارة العدل الأمريكية في لائحة الاتهام: «استغل تشين وشركاؤه نفوذهم السياسي في عدة دول لحماية أنشطتهم الإجرامية، ودفعوا رشى لمسؤولين حكوميين أجانب لتجنب ملاحقتهم من قبل سلطات إنفاذ القانون».

وأوضحت الوزارة أن تشين احتفظ بسجلات للرشاوى التي دفعها للمسؤولين الحكوميين. وتشير التقارير إلى أن هذه السجلات أظهرت أن أحد شركائه اشترى يختاً تزيد قيمته على 3 ملايين دولار لمسؤول رفيع المستوى في حكومة أجنبية، كما اشترى تشين ساعات فاخرة بملايين الدولارات لمسؤول حكومي أجنبي رفيع آخر، ساعده في عام 2020 في الحصول على جواز سفر دبلوماسي استخدمه للسفر إلى الولايات المتحدة.

ويتضح نفوذ تشين ومجموعة برينس في جميع أنحاء البلاد، حيث تمتلك المجموعة العديد من المباني ومراكز التسوق وبنكاً وحصة في الخطوط الجوية الكمبودية، كما مولت المجموعة منحاً دراسية ورعاية صحية وأنشطة إزالة ألغام خلال السنوات الماضية.

ومنذ صدور لائحة الاتهام الصادرة ضده في أكتوبر، أُزيل اسم وشعار مجموعة برينس من عدة مبانٍ في بنوم بنه وفي أنحاء البلاد.

وصرح نائب رئيس الوزراء الكمبودي، سون تشانثول، لصحيفة فاينانشال تايمز، بأن الحكومة الكمبودية تتعامل مع قضية الاحتيال بجدية، وستتخذ المزيد من الإجراءات لوقف هذه العمليات مع جمع السلطات المزيد من الأدلة.

وفي بيان صدر في نوفمبر، نفت مجموعة برينس بشدة مزاعم تورط الشركة أو تشين في أي نشاط غير قانوني، مؤكدةً أن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، وتهدف إلى تبرير الاستيلاء غير القانوني على أصول بمليارات الدولارات.

قد يؤدي التقاعس عن اتخاذ إجراءات إلى الإضرار باقتصاد كمبوديا، الذي يواجه بالفعل تهديدات من ارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية ونزاع حدودي مستمر مع تايلاند المجاورة.

في الوقت الراهن، لا يبدو أن هناك نهاية وشيكة لعمليات الاحتيال. ففي سيهانوكفيل، أشار السكان إلى مكاتب الاحتيال، التي كان بعضها محصناً بجدران عالية وأسلاك شائكة.

وتهدف هذه الإجراءات الأمنية، وفقاً لمنظمات، مثل منظمة العفو الدولية، إلى منع العمال المُتاجر بهم من الفرار.

تُقدّر الأمم المتحدة أن نحو 100 ألف شخص في كمبوديا وحدها يُجبَرون على العمل في مراكز الاحتيال.

وحتى بعد المداهمات يقول كثيرون إن العمليات تتواصل كما هي.