لكن اتضح أن معظم الدول باتت تسعى جاهدة الآن لتقليل المخاطر المرتبطة بأمريكا.
وكما يرى جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، أو الدنمارك، أحد أكثر حلفاء أمريكا ولاءً، فإن التهدئة مع دونالد ترامب لا تجدي نفعاً إلا إلى حد معين.
وبالتالي، نشهد الآن المراحل الأولى من عملية متسارعة من جانب الدول لتقليل مخاطر التعامل مع أمريكا.
لكن رفض أمريكا «للنظام الدولي الليبرالي» يشكل صدمة أيضاً -وإن كانت سارة من نواحٍ عدة- للصين، خصمها اللدود. لذلك، تسعى الصين الآن إلى أن تكون المزود الرئيسي للسلع والبضائع العالمية، بل والمنافع العالمية بما فيها الاستقرار.
كما ستكون الصين، الأكثر هدوءاً، حاضرة لمتابعة الموقف. وعموماً، فإن خسائر أمريكا مكسب للصين. ودول نصف الكرة الأرضية الأمريكي، بما فيها كندا، تتقارب مع بكين. لذلك، فإن رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، سيتوقف في الصين قبل التوجه إلى دافوس. وكما تسير رحلة كارني، تسير الدبلوماسية العالمية.
كذلك، يمكن اعتبار إبرام أوروبا الأسبوع الماضي اتفاقية تجارة حرة مع ميركوسور (الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وباراغواي)، واتفاقية المملكة المتحدة العام الماضي مع الهند، هما من إنجازات ترامب المشتركة.
كما أن النقاش البريطاني حول تجاوز تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والتقارب معه يعود جزئياً إلى ترامب.
فهو يحفز حوارات واسعة النطاق مع أطراف ثالثة لم تكن موجودة قبل عام. تسعى أوروبا إلى شراكة مع مجموعة دول المحيط الهادئ.
وكون الصين ليست عضواً فيها، لكنها ترغب بالانضمام، بينما انسحبت الولايات المتحدة في ولاية ترامب الأولى، يشير بوضوح إلى كيفية تطور الأمور.
وبغض النظر عما إذا كان باول سيحاكم، يمكن للمستثمرين توقع حقبة من ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة وانخفاض قيمة الدولار. وأياً كان من سيخلف باول، فسيكون أداة في يد ترامب. ومن المرجح أن تستمر حقبة السيولة النقدية في أمريكا لفترة أطول من طفرة الذكاء الاصطناعي.
كما يستحوذ الذهب على حصة متزايدة من احتياطيات البنوك المركزية العالمية على حساب الدولار. وحتى الآن، لم يهدد أي من المستثمرين الأمريكيين بمقاطعة سندات الخزانة الأمريكية. ويبدو أن ترامب يتجاهل حقيقة أن الأسواق لا تقل أهمية عن الاحتياطي الفيدرالي في تحديد تكاليف الاقتراض.
وقد تؤدي عمليات السحب الأجنبية الكبيرة إلى تبديد مكاسب السيولة السريعة الناتجة عن تخفيضات أسعار الفائدة قصيرة الأجل.
ولم يغب عن أذهان خصوم أمريكا أن ترامب يتحدث بإيجابية عن كوريا الشمالية النووية. ولو كانت فنزويلا دولة نووية، لما كان نيكولاس مادورو يقبع الآن في سجن بروكلين.
ولو ضم ترامب غرينلاند، فإن كندا يمكن أن تدرس الأمر بجدية. سيؤدي تعطيل حلف الناتو إلى سعي أوسع من جانب بقية دول الغرب نحو البحث عن حلول أمنية جديدة. لذلك، ترى الدنمارك الآن فوائد وجود نوع من المظلة النووية الأوروبية.
ويقف حلفاء أمريكا الآن عند مفترق طرق بين الماضي والمستقبل، ومن الواضح أن ترامب يسهل عليهم الاختيار.
