هنري فوي - ريتشارد ميلن

أثار صمت «الناتو» حيال تهديدات دونالد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند قلقاً بالغاً في العواصم الأوروبية التي تخشى تقاعس الحلف عن الدفاع عن حقوق الدنمارك. 

ولم يُصدر الناتو بياناً رسمياً يؤكد فيه سلامة أراضي الدنمارك وغرينلاند وسيادتهما، كما لم يُعلّق على طموح الرئيس الأمريكي المعلن بشأن هذه الجزيرة القطبية الشاسعة، التي تعدّ جزءاً من مملكة الدنمارك.

وقد أثار ذلك الكثير من الغضب بين الأعضاء الأوروبيين الساعين إلى إظهار جبهة موحدة وتخفيف حدة التوترات عبر الأطلسي، ويتناقض بشكل صارخ مع جهود الاتحاد الأوروبي الأخيرة للالتفاف حول كوبنهاغن.

وقد غاب مارك روتّه، الأمين العام للحلف الذي تربطه علاقة ودية بترامب، بشكل غريب عن هذه القضية الأمنية الحساسة التي تمس الأعضاء. ولم تُؤخذ بعد المقترحات الواردة من باريس وعواصم أخرى لتعزيز نشاط الناتو في غرينلاند بعين الاعتبار.

بينما يقر المسؤولون الأوروبيون بأن الدور المحوري للولايات المتحدة في التحالف العسكري يقيد خياراتها في الرد، فقد صرح كثيرون لصحيفة فايننشال تايمز بأن غياب التحالف عن الأزمة يُنذر بتعزيز شعور ترامب بالإفلات من العقاب في تعامله مع الحلفاء واستغلاله لاعتماد أوروبا الأمني على واشنطن.

وقالت جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا: «بما أننا نتحدث بوضوح عن دول حليفة في الناتو، فينبغي على الناتو أن يُطلق نقاشاً جاداً حول هذا الموضوع من أجل تخفيف الضغط أو الحدّ منه. وهذا النقاش يجب أن يشمل الناتو».

وقد اتهم ترامب الدنمارك بالتقصير في حماية الجزيرة بشكل كافٍ والاستثمار في أمنها، على الرغم مما يدّعيه من تصاعد النشاط البحري الروسي والصيني حولها. وأعلن البيت الأبيض أن العمل العسكري «خيار» إلى جانب الشراء أو غيره من الوسائل للسيطرة.

ويشكّل هذا تحدياً بالغ الصعوبة للناتو وروتّه، فأي غزو أو محاولة أمريكا ضم غرينلاند سيؤدي إلى صراع مباشر بين حليفين، ما يُشكك في المادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي يعدها أعضاء عدة جوهر وجودها.

وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي: «إنهم يلتزمون الصمت بشكل لافت. كان من المفترض أن يكون روتّه الرجل الذي يمكن لأوروبا الاعتماد عليه في تهدئة ترامب، لكن لم يكن من المفترض أن يكون بهذا الهدوء».

كما قال دبلوماسي في الحلف: «بالطبع، من الصعب مناقشة هذه الأمور داخل الناتو، لكن عدم مناقشتها يوحي بأننا جميعاً موافقون على ما يحدث».

لم يُصدر الحلف أي تصريحات علنية، وروتّه، الذي عادةً ما يكون حاضراً بقوة في مناقشات الأمن الأوروبي الأطلسي، لم يُجب إلا بـ60 ثانية عن سؤال أحد المذيعين التلفزيونيين بشأن الأزمة.

وقالت أليسون هارت، المتحدثة باسم الناتو، لصحيفة فايننشال تايمز: «مع أننا لن نكشف تفاصيل المناقشات الدبلوماسية، فإن الأمين العام يعمل من كثب مع القادة وكبار المسؤولين على جانبي المحيط الأطلسي، كما يفعل دائماً».

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إنه سيتناول هذه القضايا خلال زيارته إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.

وأضاف فاديفول إن الأمن في القطب الشمالي يكتسب أهمية متزايدة، قائلاً: «أريد أن أستغل زيارتي لمناقشة أفضل السبل التي يمكننا من خلالها في حلف الناتو تحمل هذه المسؤولية معاً، في ظل التنافسات القديمة والجديدة في المنطقة التي تشمل روسيا والصين».

وعلى مدار معظم العام الماضي، التزمت كوبنهاغن نهجاً هادئاً تجاه قضية غرينلاند، متجنبة الإدلاء بتصريحات علنية رداً على التصريحات التحريضية الصادرة عن ترامب أو إدارته، وحثت حلفاء الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو على أن يحذوا حذوها، لكن هذا التكتيك تم التخلي عنه خلال الأيام القليلة الماضية.

وقالت رئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن إن ترامب «جاد» بشأن ضم غرينلاند، وإنه «إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة أخرى من دول الناتو عسكرياً، فسيتوقف كل شيء، منها حلف الناتو».

وقال مسؤولون أوروبيون مشاركون في المفاوضات في بروكسل إن البيان تأثر بتزايد استياء كوبنهاغن من صمت الناتو، ويعكس رغبة في ضمان إدراك الحلف لما هو على المحك.

ودعا مشرعون دنماركيون (الناتو) إلى اضطلاع دور أكبر في النزاع مع الولايات المتحدة. ودعا كارستن باخ، عضو البرلمان عن التحالف الليبرالي، إلى إجراء نقاش بموجب المادة الرابعة من معاهدة الناتو، التي تتناول التهديدات الموجهة ضد الدول الأعضاء.

وقال: «هناك دولة واحدة في الناتو، وهي الولايات المتحدة، ترى تهديداً في القطب الشمالي قد لا يكون واضحاً تماماً لبقية الدول، ولذلك أعتقد أن على الناتو أن يلعب دوراً مهماً في هذا النزاع الذي نشأ الآن بين دولتين من دول الناتو».

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إن «القانون أقوى من القوة» في إشارة إلى غرينلاند، في حين قال رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا: «لا يمكن البت في أي شيء يتعلق بالدنمارك وغرينلاند دون الدنمارك، أو دون غرينلاند».

وأصدر قادة حلفاء الناتو، فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة، بياناً مشتركاً مع الدنمارك، أشاروا فيه إلى أنهم «لن يتوقفوا عن الدفاع» عن مبادئ «السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

يقول مسؤولون في حلف الناتو ودبلوماسيون من الدول الأعضاء المنتدبون إلى الحلف إن هناك جهوداً دبلوماسية غير رسمية جارية وجهوداً داخلية لتعزيز الأمن الجماعي في منطقة القطب الشمالي المحيطة بغرينلاند.

ويضيف المسؤولون أن العامين الماضيين شهدا تحولاً ملحوظاً من جانب دول الناتو في تلك المنطقة نحو دعم قيادة الحلف بشكل أكبر.

وقال مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي، أندريوس كوبيليوس، مشيراً إلى مهمة الناتو التي أُطلقت قبل عام لحماية البنية التحتية الحيوية في بحر البلطيق بشكل أفضل: «لدينا مهمة حارس البلطيق، فلماذا لا يكون لدينا مهمة حارس غرينلاند؟ هذا ما نستطيع فعله».

وأضاف: «لا أعرف شيئاً عن تلك المناقشات داخل الناتو بشأن غرينلاند، وكيف تجري. ولكن من الخارج، يبدو أن الناتو في وضع خاص نوعاً ما»، مشيراً إلى عضوية كل من الدنمارك والولايات المتحدة.

وقال دبلوماسي رفيع المستوى من دول شمال أوروبا: «أوكرانيا سهلة بالنسبة لنا. روسيا طالما مثلت عدواً لنا.

أما غرينلاند فأكثر تعقيداً بكثير. من المفترض أن تكون الولايات المتحدة حليفنا الرئيسي. وهذا ما يجعل كل شيء أكثر صعوبة».

رداً على سؤال مباشر حول تهديدات ترامب هذا الأسبوع، صرّح روتّه لشبكة «سي إن إن» بأنه يتفق مع تقييم الرئيس الأمريكي بشأن تزايد الأنشطة الروسية والصينية في المنطقة، وضرورة تعزيز الأمن.

وقال: «انظروا إلى الدنمارك، إنهم يستثمرون بكثافة في جيشهم. والدنماركيون لا يمانعون إطلاقاً في زيادة الوجود الأمريكي في غرينلاند عما هو عليه الآن. لذا أعتقد أن هذا يُظهر أن علينا -مجتمعين- ضمان سلامة القطب الشمالي».