بن هول
نشر الجيش الفرنسي، في وقت سابق من الأسبوع، تغريدة غامضة، تضمّنت صورة لجنود يقطعون الجبال على زلاجات، مع تعليق «هل تحتاجون إلى تعزيزات؟»، فهل كان هذا عرضاً للسلطات المحلية، التي تواجه صعوبة في التعامل مع تساقط الثلوج الكثيف؟ أم عرضاً للدنمارك للمساعدة في صد محاولة أمريكية للاستيلاء على غرينلاند؟
لقد أثار تصميم دونالد ترامب على الاستيلاء على غرينلاند، باستخدام القوة إن لزم الأمر بعد غارته الخاطفة على فنزويلا، حالة من القلق والغضب في جميع أنحاء أوروبا، كما قدم تذكيراً قاسياً لأوروبا بعجزها الهائل في القوة العسكرية، والذي بدونه تبدو دفاعاتها عن القانون الدولي جوفاء.
وكما قال بيتر ماندلسون، السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة والمفوض الأوروبي السابق، في مقال في مجلة «ذا سبيكتاتور»: «إن عجز أوروبا الجيوسياسي المتزايد في العالم بات هو القضية الآن، وما يتردد بشان غرينلاند يؤكد هذه الحقيقة المرة».
لقد التزم معظم القادة الأوروبيين موقفاً متردداً بشأن الغارة الأمريكية لإطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وربما اتخذوا موقفاً أكثر وضوحاً بشأن غرينلاند، دفاعاً عن السيادة والسلامة الإقليمية، وحق سكان غرينلاند والدنماركيين في تقرير مصير هذه المنطقة القطبية الشاسعة، لكن حتى الآن لا توجد استراتيجية أوروبية واضحة لردع أي استيلاء أمريكي محتمل، ولا لصد المحاولة الأرجح لرشوة أو إجبار سكان غرينلاند على الانفصال عن الدنمارك، ثم الانضمام إلى الولايات المتحدة أو الخضوع لها، كما تبدو فكرة أن تستطيع أوروبا قلب الأمر الواقع الأمريكي بعيدة المنال.
وقد صدرت مناشدات حماسية من بعض المعلقين للقادة الأوروبيين للتخلي عن خضوعهم وإظهار بعض الحزم، على سبيل المثال، من خلال التهديد بإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا، أو حظر شراء سندات الخزانة الأمريكية، أو فرض قيود أو تعريفات جمركية عقابية على سلع معينة تحتاج إليها أمريكا من أوروبا، لكن فرص توحيد عواصم الاتحاد الأوروبي خلف رد فعل انتقامي قد يعتبره الكثيرون بمثابة انتقام شخصي ضئيلة، وكما كتب الزميل روبرت شريمزلي، فقد تبنى القادة الأوروبيون في الأغلب سياسة «التوسل الاستراتيجي» تجاه ترامب لحماية أولوية أعلى، تتمثل في الحفاظ على دعم الولايات المتحدة في قضية أوكرانيا، وقد حققوا بعض النجاح في ذلك.
على أي حال، فإنه من الواضح أن ترامب يتمتع بنفوذ تصعيدي، حيث بإمكان الولايات المتحدة دائماً الرد بقوة أكبر أو توجيه تهديدات أشد، وفي مقال له في صحيفة لوموند، قدم جان ماري غيهينو، وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة والدبلوماسي الفرنسي الرفيع السابق، تقييماً صريحاً حين قال: «سواء تعلق الأمر بحماية البيانات، أو الذكاء الاصطناعي، أو تحديثات البرامج، بما في ذلك البرامج الدفاعية، فإن أوروبا تبقى رهينة لحسن نية الولايات المتحدة.
وإذا قررت الولايات المتحدة غداً، باسم الأمن القومي، الاستيلاء على غرينلاند، وهي منطقة أسهل بكثير في السيطرة عليها من فنزويلا، فلن تمتلك الدنمارك ولا الاتحاد الأوروبي الوسائل اللازمة لمنعها»، وبالفعل يصعب دحض استنتاج غيهينو: «أوروبا الآن تحت الحصار، وعليها تعزيز قوتها بشكل عاجل، لأن القانون بلا قوة مجرد شعار أجوف».
إن ذلك سيستغرق وقتاً، وأفضل رهان لأوروبا على المدى القريب هو محاولة إحباط مخططات ترامب بالتركيز على مساهمتها الجماعية في أمن القطب الشمالي، وبالتالي أمن الولايات المتحدة، وهذا يعني الاستعداد لإرسال سفن وطائرات وقوات إلى المنطقة، والاستثمار في المعدات اللازمة، كما بدأت الدنمارك بالفعل، وقد يعني ذلك أيضاً التنازل عن أراضٍ للولايات المتحدة لإقامة قواعد عسكرية جديدة.
وقد اقترح غونترام وولف، الخبير الاقتصادي والمتخصص في التمويل العسكري، نشر بعثة بقيادة فرنسية ألمانية بالاعتماد على «قوات الاتحاد الأوروبي للانتشار السريع».
وهذه القوة التي يبلغ قوامها 5000 جندي من عدة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي يمكن تجميعها ونشرها في غضون مهلة قصيرة تحت قيادة الاتحاد الأوروبي.
وكتب وولف: «بإرسال إشارة قوة ستغير أوروبا الحسابات السياسية السائدة في الولايات المتحدة، وبالتالي ستحدد ملامح علاقة جديدة عبر الأطلسي».
ذلك كله يفترض قدرة الأوروبيين على حشد ما يكفي من الأفراد والمعدات لالتزام طويل الأمد محتمل دون إضعاف دفاعاتهم في أوروبا، كما أنه ليس من المؤكد أن يرضي ذلك ترامب، الذي يبدو أنه يريد رفع العلم الأمريكي فوق نوك، عاصمة غرينلاند.
من جانبهم، يؤيد بعض المسؤولين في إدارة ترامب منح غرينلاند اتفاقية ارتباط حر مماثلة لتلك الممنوحة لبعض دول جزر المحيط الهادئ، والتي ستمنح الولايات المتحدة حقوقاً عسكرية حصرية مقابل تمويل أمريكي وامتيازات تجارية، لكن على غرينلاند أولاً أن تنال استقلالها، وهذا ينذر بحرب مزايدة عبر الأطلسي لكسب تعاطف سكان غرينلاند البالغ عددهم 57 ألف نسمة، حيث تقدم الولايات المتحدة إغراءات لتشجيع الانفصال، بينما تزيد الدنمارك دعمها المالي المدعوم من الاتحاد الأوروبي.
وبإمكان واشنطن بسهولة التفوق على كوبنهاغن في المزايدة، لكن هل سيقتنع سكان غرينلاند؟ ففي نهاية المطاف يميل ترامب إلى تحميل الدول التي يحررها ثمن هذا الامتياز (النفط الفنزويلي، والمعادن الأوكرانية)، وهو ليس مناصراً لنمط الرعاية الاجتماعية السائد على مستوى دول الشمال، والذي يتمتع به سكان غرينلاند حالياً.
وإذا استمر ترامب في تهديد أو إجبار غرينلاند والدنمارك فعلى القادة الأوروبيين أن يحذوا حذو رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن هذا الأسبوع: التحذير من أن ذلك سيؤدي إلى انهيار حلف الناتو.
إنها رسالة تحذر من العواقب السلبية المحتملة على أمريكا، وهي موجهة للجمهوريين في الكونغرس وشركات الدفاع الأمريكية بقدر ما هي موجهة لترامب.
قد يفيد أيضاً توجيه تهديد محدد، حيث ينبغي مثلاً على فنلندا أن توضح أنها لن تزود الولايات المتحدة بكاسحات الجليد التي هي في أمس الحاجة إليها إذا ما انتهكت سيادة جارتها الإسكندنافية.
«لا كاسحات جليد، لا أمن في القطب الشمالي»: هذه رسالة يمكن للرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب أن يوصلها إلى ترامب في المرة المقبلة، التي يذهبان فيها إلى ملعب الغولف.