ريتشارد ووترز

بعد تجربة التداول الخوارزمي على جهاز كمبيوتر كمومي، انضم بنك «إتش إس بي سي» أخيراً إلى قائمة متنامية من الشركات التي تقول إن شكلاً جديداً ثورياً من الحوسبة قد بدأ يتبلور. 

وقد وصف البنك التجربة بأنها «سابقة عالمية في تداول السندات، تظهر أننا على أعتاب حقبة جديدة من الحوسبة في الخدمات المالية».

لكن بعض خبراء الكم ليسوا متأكدين من ذلك؛ فقد رفض سكوت آرونسون، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة تكساس، هذه التجربة باعتبارها واحدة من بين عدد متزايد من «الادعاءات الواهية» حول تفوق الحوسبة الكمومية. وقال آرونسون: «لا يوجد أي سبب على الإطلاق للاعتقاد بأن أي تحسن لاحظوه له علاقة بميكانيكا الكم»، فحتى باحثو «إتش إس بي سي» أنفسهم كتبوا أنهم لم يتمكنوا من تفسير كيف حقق جهاز «آي بي إم» الذي استخدموه نتائج التداول المتميزة، مضيفين أن عملهم «يتطلب مزيداً من البحث».

رغم ذلك، يأتي إعلان بنك «إتش إس بي سي» وسط سلسلة من الإعلانات خلال الأشهر القليلة الماضية تفيد بأن أجهزة الحوسبة الكمومية قد حققت نتائج تتجاوز قدرات الحواسيب التقليدية، وهو إنجاز مرتقب بشدة يُعرف باسم التفوق الكمومي أو السيادة الكمومية.

ويبقى هناك خلاف حاد حول صحة هذه الادعاءات، إن وُجدت. وحتى لو ثبتت صحة هذه التقارير علمياً، فقد يستغرق الأمر سنوات عدة من العمل قبل أن تصبح هذه الأجهزة ذات جدوى تجارية. ويقول بوب سوتور، الرئيس السابق لقسم الحوسبة الكمومية في شركة «آي بي إم»: هناك الكثير من التسرع في تبني هذه التقنية. وأحياناً أشعر وكأن الناس يتسابقون فقط لدخول التاريخ.

من بين الشركات التي أعلنت تحقيق إنجاز كمومي مهم، شركة غوغل، التي تمتلك خوارزمية قد تُفضي إلى تطوير مواد جديدة كلياً، وشركة «دي ويف»، التي تعالج تقنيتها مشكلات التحسين المعقدة للغاية. كذلك، أعلنت شركة «كوانتينوم» في نوفمبر تحقيقها نتائج واعدة في تجاربها على الموصلات الفائقة عند درجة حرارة الغرفة، في حين نشر ثلاث مجموعات من الباحثين العاملين على أجهزة «آي بي إم» الكمومية تفاصيل تجارب قالوا إنها بدت وكأنها قد بلغت العتبة التقنية الحاسمة.

ويقر الخبراء بصعوبة تقييم هذه الادعاءات. وتكمن إحدى المشكلات في أن التفوق الكمومي هدف متحرك، فباستخدام تقنيات جديدة، تمكن مبرمجو الحواسيب التقليدية أحياناً من مجاراة أو حتى تجاوز الأنظمة الكمومية التي يُفترض أنها متفوقة. وهذا يجعل إثبات تفوق الحاسوب الكمومي أشبه بـ«محاولة إثبات النفي»، كما قال آرونسون.

منذ إعلان غوغل الأول عن تحقيق تفوقها الكمومي في عام 2019، حققت الحواسيب التقليدية قفزة نوعية، حتى إن مسؤولي غوغل أنفسهم يعترفون بأن مسألة كانوا يعتقدون سابقاً أنها ستستغرق 10,000 عام على الحاسوب التقليدي، بات من الممكن حلها الآن في 200 ثانية.

صرحت سابرينا مانسكالكو، الرئيسة التنفيذية لشركة البرمجيات الكمومية الفنلندية «ألغوريتميك»، بأن شركتها «تستطيع الادعاء بأنها تتجاوز جميع المعايير التقليدية حتى الآن» باستخدام خوارزمية كمومية لمحاكاة مواد جديدة، لكنها أضافت إنه لا سبيل لمعرفة ما إذا كان سيُكتشف أداء أفضل باستخدام جهاز تقليدي، وأن الأمر سيستغرق وقتاً حتى يتفق عالما الحوسبة المختلفان على المجالات التي قد تتفوق فيها الأنظمة الكمومية حقاً.

ولتجنب الاعتراضات على ادعائها الأخير، قالت غوغل إنها اتخذت بنفسها خطوة تمثلت في «اختبار نتائجها»، أو تكليف فريق من الباحثين بمحاولة دحض نتائجها بشكل شامل.

بحسب آرونسون، تُعدّ شركة التكنولوجيا العملاقة من بين الشركات التي لديها أفضل ادعاء حتى الآن بتحقيق التفوق الكمومي، إلى جانب شركتي كوانتينوم وكويرا.

وفي محاولة لكسر حلقة الادعاءات والادعاءات المضادة، دعمت شركة آي بي إم في نوفمبر إطلاق موقع إلكتروني لتتبع الأمثلة المحتملة للتفوق الكمومي، ونشرت ثلاث حالات أولية -منها حالة شركة ألغوريتميك- ليختبرها الآخرون. وقال جاي غامبيتا، رئيس قسم الأبحاث في آي بي إم: «أعتقد أن النتائج التي نشرناها متقاربة جداً».

ومع ذلك، حتى لو تمكن الخبراء من الاتفاق على حالات تتفوق فيها الحواسيب الكمومية على الأجهزة الحالية، فقد تظل هذه الأنظمة بعيدة كل البعد عن حل المشكلات العملية أو تبرير المضاربات التي رفعت أسهم شركات الحواسيب الكمومية المتداولة علناً العام الماضي. واستندت الادعاءات المبكرة بالتفوق التقني إلى القدرة على توليد د وائر عشوائية تماماً، وهو برهان علمي دون تطبيقات عملية.

وفي الآونة الأخيرة، اتجهت معظم الجهود نحو الخوارزميات التي يُمكن تطبيقها يوماً ما على مشكلات واقعية، وغالباً ما تتضمن محاكاة المواد على المستوى الذري، والتي تُظهر بدورها خصائص ميكانيكا الكم. ومع ذلك، فإن أجهزة الكمبيوتر الكمومية الحالية صغيرة جداً بحيث لا تُجري هذه الحسابات بالدقة اللازمة لجعل نتائجها مفيدة.

ويقول غامبيتا من شركة «آي بي إم» إن هذا يجعل التفوق الكمومي مشابهاً للمرحلة التي وصل إليها الذكاء الاصطناعي في عام 2012 مع أولى النتائج الرائدة في مجال رؤية الحاسوب. وأضاف: «لم تكن الشبكات العصبية الأولى ذات جدوى فعلية، لكنها كانت بمنزلة عروض علمية مهمة تطورت الآن إلى قدرات حسابية هائلة».

ومع وصول الصناعة إلى عتبة مهمة، تقول شركات الحوسبة الكمومية إنها تُحوّل اهتمامها من البحث العلمي إلى اعتبارات أكثر عملية. ويقول نيت جيميلك، كبير استراتيجيي التكنولوجيا في شركة «كويرا»: بدأنا نُدرك أن ما نريد الحديث عنه حقاً هو القيمة الاقتصادية - بناء آلة تُحدث تأثيراً فعلياً على العالم. توقع أن تلك اللحظة قد تستغرق ما بين عامين وعقد من الزمن.

ويعتمد التوقيت بشكل كبير على إمكانية الحصول على نتائج مفيدة من أنظمة الكم الحالية «المشوشة»، حيث يُصعّب التداخل بين المكونات الأساسية، المعروفة باسم الكيوبتات، إجراء عملية حسابية متماسكة، وإلا، فسيتطلب الأمر جيلاً جديداً من أنظمة الكم «المقاومة للأخطاء».

وتتسابق كل من شركتي «آي بي إم» وغوغل لبناء هذه الأنظمة بحلول نهاية هذا العقد، على الرغم من أن العديد من الخبراء يعتقدون أن تطوير حواسيب كم عملية مقاومة للأخطاء سيستغرق سنوات أطول.

ولم يمنع ذلك الشركات من محاولة استخلاص شيء مفيد من الأجهزة الحالية. بالنسبة للبعض، يُعدّ تحقيق نتائج تجريبية تبدو متفوقة على أي شيء ممكن على جهاز كمبيوتر تقليدي سبباً كافياً لاختبار حدود الإمكانات، مثلما ادعى بنك «إتش إس بي سي» بعد تجربته في تداول السندات.

عموماً، من المرجح أن يستغرق الحصول على دليل قاطع على تسخير ميكانيكا الكم لحل مشكلات الحوسبة في العالم الحقيقي وقتاً أطول.