- الولايات المتحدة تتحول من دور شرطي السوق الغامض إلى لاعب جيوسياسي مفترس لا يعرف المساومة
ديفيد بيلينغ - ليزلي هوك
دفع تباهي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه «سيدير» فنزويلا، وأن عائدات بيع ملايين براميل النفط «ستكون تحت سيطرتي كرئيس» العالم إلى حقبة جديدة من الجغرافيا السياسية، لكن نشره للقوة العسكرية الأمريكية للاستيلاء على النفط الفنزويلي لا يشير إلى قفزة نحو المستقبل بقدر ما يشير إلى عودة إلى الماضي.
إن الطبيعة المتطرفة للعمل الأمريكي، بما في ذلك عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كانت نادرة الحدوث، لكنها لفتت انتباه العالم بقوة إلى تحولين جوهريين، وإن كانا متداخلين، في السياسة الخارجية الأمريكية:
وقد تلقى إدراك واشنطن التدريجي لسعي الصين الحثيث وراء المعادن الاستراتيجية ما وصفه يرجين بـ«صدمة كهربائية حقيقية» في أبريل الماضي، عندما فرضت بكين، رداً على تعريفات «يوم التحرير» التي فرضها ترامب، قيوداً على تصدير العناصر الأرضية النادرة.
ويلفت إلى أن: «التفكير القديم في ما أسميه «العولمة السهلة» يتلاشى تدريجياً، فالدول والحكومات، بما فيها الولايات المتحدة، تركز بشكل أكبر على المرونة، ومواطن الضعف، والسيطرة».
واستندت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 إلى هذا المبدأ، مضيفة إليه ما أسمته «ملحق ترامب»، الذي يربط نفوذ الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي بالسيطرة على موارده الطبيعية.
وتنص الاستراتيجية على ضرورة بقاء نصف الكرة الغربي «خالياً من أي توغل أجنبي عدائي أو امتلاك أصول رئيسية»، وبالعودة إلى ألكسندر هاميلتون، أول وزير للخزانة الأمريكية، وأحد أبرز دعاة الحمائية، تضيف الوثيقة: «يجب ألا تعتمد الولايات المتحدة مطلقاً على أي قوة خارجية، لتوفير المكونات الأساسية - من المواد الخام إلى قطع الغيار والمنتجات النهائية - اللازمة للدفاع عن البلاد أو اقتصادها».
وفي هذا السياق يقول دانيال دريزنر، أستاذ العلوم السياسية الدولية بكلية فليتشر في جامعة تافتس، إن أحد الأعراف التي ظلت قائمة حتى ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 هو «فكرة استحالة تغيير الحدود بالقوة»، وقد تم انتهاك هذا العرف في بعض الأحيان، وكثيراً ما أشار النقاد إلى ما وصفوه بنفاق النظام الليبرالي القائم على القواعد، كما حدث عندما قادت الولايات المتحدة غزو العراق عام 2003.
«كانت هناك استثناءات، لكننا الآن وصلنا إلى مرحلة باتت فيها الاستثناءات تتجاوز القاعدة بكثير».
هذا هو المكان الذي نعيش فيه». وعلى الرغم من كثرة ربط ما يحدث بالقرن التاسع عشر فإن أقرب أوجه التشابه المباشرة لتصرفات ترامب في فنزويلا أحداث إيران عام 1953 وغواتيمالا عام 1954، ففي الأولى دبرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات البريطاني، انقلاباً للإطاحة بمحمد مصدق، رئيس الوزراء الإيراني آنذاك، الذي تجرأ على تأميم مصالح النفط البريطانية، وفي غواتيمالا دعمت وكالة المخابرات المركزية انقلاباً آخر لإطاحة الرئيس جاكوبو أربينز، بعد أن أممت حكومته أراضي تابعة لشركة «يونايتد فروت» الأمريكية.
ولا يعد النفط الفنزويلي، الذي يتكون معظمه من رمال قطران ثقيلة للغاية، رخيص الاستخراج كسهولة استخراج نفط غيانا المجاورة، حيث أسهمت الشركات الأمريكية في رفع الإنتاج إلى ما يقارب مليون برميل يومياً بنهاية العام الماضي.
ويقول دريزنر من كلية فليتشر: «تقييمي الصريح بشأن فنزويلا هو أن ماركو روبيو أراد إزاحة مادورو، واستخدم النفط كذريعة». ويضيف:«لا أشك في أن دونالد ترامب يعتقد أن الأمر برمته يدور حول النفط، لكنه مخطئ».
وتقول: «ربما كان النفط مكافأة، وربما كان الإرهاب المرتبط بالمخدرات هو المبرر، لكن الأمر يتعلق بالقوة الأمريكية أكثر من أي شيء آخر»، ومع ذلك تتوقع أن تزداد المنافسة مع الصين على الموارد في «الفناء الخلفي الأمريكي» شراسة، فالشركات الصينية لها مصالح واسعة في قطاعي النفط والتعدين في أمريكا اللاتينية، واستثمرت هذه الشركات في «مثلث الليثيوم» الذي يضم الأرجنتين وتشيلي وبوليفيا، لتزويد صناعة البطاريات لديها، ولها حصص كبيرة في النحاس التشيلي، وخام الحديد البيروفي.
وتضيف: «الخاسرون الأبرز على المدى القريب هي الدول التي تجد نفسها عالقة في خضم هذا الصراع، والتي تعد غنية بالموارد، ولكنها تفتقر إلى القدرة التفاوضية».
وكونه جزءاً من الاتفاقية خصصت الحكومة الأمريكية وشركة «ميركوريا» السويسرية للتجارة ما يصل إلى مليار دولار لكل منهما كونه تمويلاً جديداً لمشاريع التعدين في البلاد، التي تمتلك نصف احتياطات الكوبالت في العالم على الأقل، وتعد ثاني أكبر منتج للنحاس بعد تشيلي.
ويضيف: «لسنا دائماً في عالم آدم سميث المثالي (الذي يقوم على الأسواق الحرة والمنافسة العادلة)».
ويقول نيكولاس نياركوس، مؤلف كتاب «حروب البطاريات»: «إن الصين تفوقت على الولايات المتحدة في تأمين الموارد.
وكما هي الحال مع النفط، أصبحت طاقة البطاريات قوة سياسية متزايدة». ويرى نياركوس أنه بينما تراهن الصين على التكنولوجيا الجديدة سريعة التطور فإن الولايات المتحدة تراهن في المقابل، وبشكل مفرط على الماضي.
وتسعى مؤسسة تمويل التنمية الدولية إلى مضاعفة قدرتها التمويلية ثلاث مرات، لتصل إلى 205 مليارات دولار، تحديداً لتعزيز أنشطتها في قطاع المعادن الحيوية.
وهذا أمر مشروع تماماً ومنطقي، وبصراحة إنه مجرد شكل متطور من السياسات الصناعية، التي تتبعها الحكومات الأوروبية واليابانية والصينية منذ عقود».
ويرى المحللون أن أحد أوجه هذا التوجه الجديد هو أن يكون رد فعل على مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي من خلالها قدمت بكين قروضاً لعشرات الدول لتمويل مشاريع البنية التحتية، والتي غالباً ما تستخدم كونها قناة لإعادة السلع إلى الصين.
ويضيف: «بإمكان الشركات المضي قدماً وهي مطمئنة إلى دعم الحكومة الأمريكية لها، وأنها ستستخدم القوة العسكرية إذا ما تعرضت استثماراتها للخطر، وهكذا تتحول الولايات المتحدة من دور شرطي السوق الغامض إلى لاعب جيوسياسي مفترس لا يعرف المساومة».
وتدعم إدارة ترامب بحذر خطة أطلقت في عهد بايدن لتمويل ما يسمى «ممر لوبيتو»، والذي من شأنه تسهيل نقل النحاس والكوبالت ومعادن أخرى من زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية إلى ساحل المحيط الأطلسي في أنغولا.
وتقوم بعض الشركات بدراسات جدوى استثمارية، ترتكز تحديداً على المتطلبات الجديدة في واشنطن لتأمين المعادن.
وقدمت شركة إيفانهو أتلانتيك الأمريكية مشروعها البالغ قيمته 1.8 مليار دولار لنقل خام الحديد عالي الجودة من غينيا عبر ليبيريا على طول ما يسمى «ممر الحرية»، وسيلة «لمواجهة تشديد الصين قبضتها على المعادن الحيوية».
بالنسبة للشركات لا تخلو عقيدة البيت الأبيض الجديدة من المخاطر.
ويقول جاكوب ستاوسهولم، المدير التنفيذي السابق في شركتي «ريو تينتو» و«ميرسك» والباحث الحالي في كلية بلافتنيك للحوكمة بجامعة أكسفورد، إن دور الرؤساء التنفيذيين يتغير مع ازدياد إلحاح القضايا الجيوسياسية، ولذلك يتعين على قادة الأعمال الآن التعامل مع الأمور بشكل مختلف.
ويضيف: «لسنا سياسيين، ونحن هنا فقط للعمل لصالح الشركات». ويشكك ريكاردو دي أوليفيرا، من معهد الدراسات السياسية بباريس، أيضاً في استدامة هذه السياسة الجديدة. ويقول: «الأمر لا يقتصر على فن إبرام الصفقات فحسب، بل يتعلق ببناء تحالفات طويلة الأمد».
كما أن جنسية الشركة ليست واضحة دائماً في عصر رأس المال العالمي، فشركة «إيفانهو ماينز»، وهي شركة تعدين كندية، المالكة الرئيسية لمنجم كاموا- كاكولا العملاق للنحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تمتلك الصين حوالي 30% من أسهمها.
ويقول باراغ خانا من شركة «ألفا جيو»: «إن مشاريع البنية التحتية المتنافسة بين الصين والولايات المتحدة في أفريقيا قد تفضي في نهاية المطاف إلى تكامل أكثر من التنافس».
ويقول مارك كوتيفاني، الرئيس التنفيذي السابق لشركة أنجلو أمريكان: «بدأ السياسيون يدركون كيف تسير الأمور في العالم».
ويقول المؤرخ دانيال يرجين، إن السوق سيظل له دور في تحديد وجهة الاستثمارات، لكن بالتأكيد شيئاً ما قد تغير.
ووضح قائلاً: «تعتزم الحكومة الأمريكية أن تكون أكثر حزماً فيما يتعلق بالمعادن حول العالم.
وبعدما كانت سلاسل التوريد في السابق تعنى بالكفاءة فقط فهي الآن تعنى بالسياسة والأمن بشكل كبير».
