يشكل عدم الاستقرار المالي العالمي تحدياً للبنوك الإسلامية والتقليدية على حد سواء، رغم التوقعات بأن يستمر التمويل الإسلامي في النمو هذا العام، مع تسارع الانتعاش الاقتصادي، خصوصاً في الإمارات ودول التعاون، فهل ستكون المصارف الإسلامية قادرة أكثر على مجابهة التحديات الاقتصادية المختلفة، التي تفرضها المستجدات العالمية اليوم؟
يعتقد الخبراء أن البنوك الإسلامية في الإمارات ستتمكن من تحسين جودة الأصول لديها بالتزامن مع تحسن الاقتصاد وتعافي نشاط الشركات، وبنهاية نوفمبر 2021، سجل حجم تمويل البنوك الإسلامية المتوافقة مع الشريعة 348 مليار درهم، وهو ما شكل حوالي 21% من إجمالي دفتر قروض القطاع المصرفي، ويتوقع نمو حجم التمويل الإسلامي بنسبة أحادية الرقم بنهاية العام الحالي والمقبل.
ويعمل القطاع المصرفي الإماراتي، بما في ذلك البنوك الإسلامية والتقليدية، بمستويات ربحية ورسملة عالية نسبياً، وبالتالي يتمتع بقدرة قوية على امتصاص الصدمات غير المتوقعة.
وفي نهاية عام 2021، بلغ العائد على الأصول لأكبر 4 بنوك إسلامية في الإمارات 1.4% مقارنة 0.6% بنهاية 2020. وبلغت نسبة رأس المال من الشق الأول 17.9% في عام 2021.
يقول بونيت تولي محلل البنوك في وكالة ستاندرد أند بورز للتصنيف الائتماني: «لا نرى أن البنوك الإسلامية تختلف كثيراً عن نظيراتها التقليدية في الإمارات. وتتمثل الأعمال الأساسية لكلا النموذجين في زيادة الودائع من جهة وتمويل الاقتصاد من جهة أخرى. كما أن ملفاتها المالية قابلة للمقارنة (بلغ العائد على الأصول لأكبر 7 بنوك تقليدية 1.1% في عام 2021 و0.5% في عام 2020 بينما بلغت نسبة الشق الأول 15.2% في عام 2021».
القروض والودائع
ويمكن كذلك مقارنة الأساليب الحالية للبنوك الإسلامية المحلية في جذب وتشغيل الأموال إلى حد كبير بنظيراتها التقليدية، فكلاهما يعتمد بشكل كبير على ودائع العملاء لتمويل دفاتر التمويل. وبلغت نسبة القروض إلى الودائع لأكبر 10 بنوك في الإمارات 84.2% بنهاية 2021. وتلجأ البنوك أحياناً إلى أسواق المال من خلال طرح السندات والصكوك، لكن المساهمة الإجمالية في ملف التمويل الخاص بها تبقى محدودة إلى حد ما باستثناء عدد قليل من اللاعبين المتمرسين.
واقع المخاطر
ويضيف بونيت تولي: «يمكن القول إن نماذج الأعمال في البنوك الإسلامية في الإمارات هي على قدم المساواة مع البنوك التقليدية عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع المخاطر كذلك. وعلى الرغم من أنه من الناحية النظرية، قد يُنظر إلى البنوك الإسلامية على أنها أكثر مرونة بسبب مبدأ دعم الأصول في التمويل الإسلامي، والذي ينتج عنه من الناحية النظرية ضمانات أعلى، إلا أننا نعتقد أن تحقيق الضمانات قد يكون صعباً. بالإضافة إلى ذلك تميل العقارات إلى أن تكون الشكل المفضل للضمانات.
وحول توقعاته لأداء قطاع سوق الصيرفة الإسلامية في الإمارات في 2022، يقول، محلل البنوك في وكالة ستاندرد أند بورز للتصنيف الائتماني:»نتوقع أن تتحسن جودة الأصول مع تعافي الشركات تدريجياً وعودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته وتعافي أسعار النفط، لكن قطاعات مثل الطيران والضيافة تظل عرضة للخطر. ومن المرجح أن يستفيد القطاع المصرفي الإماراتي (بما في ذلك البنوك الإسلامية) من الارتفاعات المتوقعة في أسعار الفائدة، على افتراض أن البنوك تتبنى نهجاً عملياً للمقترضين من خلال عدم عكس زيادة الأسعار بشكل منهجي إذا كان بإمكانها خفض عدد المتخلفين عن السداد. أخيراً، يجب أن تستمر المصدات الرأسمالية الثابتة والقوية، وملفات التمويل الجيدة، والدعم الحكومي المتوقع في دعم الجدارة الائتمانية للبنوك في عام 2022«.
منافسة متزايدة
ويوضح البروفيسور نبيل بيضون نائب رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية للشؤون الأكاديمية أنه نتج عن جائحة «كوفيد 19 » أن العديد من الشركات التي حصلت على تمويل إسلامي أصبحت تكافح من أجل الوفاء بالتزاماتها مضيفاً أن التوترات الجيوسياسية في بعض مناطق العالم تؤدي كذلك إلى الكثير من عدم اليقين بشأن أسعار النفط والغاز المستقبلية التي تعتمد عليها العديد من الدول النفطية بما فيها دول الخليج العربي التي تعتبر مركزاً رئيسياً للتمويل الإسلامي، علاوة على التضخم في أسعار المواد الغذائية الأساسية التي يمول بعضها مؤسسات إسلامية، فمن المحتمل حدوث أزمة ائتمانية.
وفي نفس الوقت الذي تكون فيه فرص التمويل الإسلامي في المستقبل غير واضحة، تتزايد المنافسة من البنوك التقليدية وتشعر العديد من البنوك الإسلامية بضغوط مالية وصعوبة للتخطيط للمستقبل بثقة. ومع ذلك، تظل الاستراتيجيات المالية الناجحة ممكنة، كما تظهر تجربة ماليزيا حيث أصبحت كوالالمبور ثالث أهم مركز مالي إسلامي بعد الرياض ودبي. وأصبح مايبنك الإسلامي، الفرع المتوافق مع أحكام الشريعة التابع لشركة Maybank، المصدر الرئيسي للتمويل الإسلامي في جنوب شرق آسيا.
جذب الاستثمارات
ويقول البروفيسور نبيل بيضون إن البنوك الإسلامية تبيع صناديق الاستثمار المتوافقة مع الشريعة الإسلامية إلى عملائها. وكان هذا النشاط ولا يزال ذا أهمية خاصة في دبي والرياض، التي أصبحت من أكبر مراكز إدارة الصناديق الإسلامية في العالم. ويوضح البروفيسور بيضون:»تتمتع الصناديق بسجل أداء جيد، حيث يتمتع العديد من المستثمرين بمكاسب رأسمالية كبيرة غير خاضعة للضريبة. وينظر العملاء إلى الأموال على أنها استثمارات طويلة الأجل، أو أصول أكثر سيولة من العقارات السكنية أو التجارية. وقد ظلت أساليب إدارة الاستثمار في البنوك الإسلامية دون تغيير إلى حد كبير، وكان التغيير الأكبر في مجال التسويق. فهناك المزيد من الضغط على تحديد موقف المستثمرين من المخاطر وتحديد التخصيص الأمثل للمنتج الذي يشعر به كل مستثمر. ومن الواضح أن المستثمرين أصحاب الثروات الصافية العالية يمكنهم قبول درجة أعلى من المخاطرة أكثر من أصحاب الثروات المتواضعة.
تحديات
وحول مدى قدرة المصارف الإسلامية على مجابهة التحديات الاقتصادية المختلفة التي تفرضها المستجدات العالمية، بصفتها الأقدر على التعامل مع المخاطر، بالمقارنة مع نظيرتها التقليدية، يفيد البروفيسور نبيل بيضون: «ينطوي التمويل الإسلامي دائماً على المخاطرة، حيث إن هذا هو الذي يضفي الشرعية ويمكن من تقليل المخاطر على العوائد خصوصاً مع توافر المعرفة التفصيلية عن الشركة والقطاع والاقتصاد وبيئة الاستثمار. ونظراً لأن معظم البنوك الإسلامية صغيرة، وذات موارد محدودة نسبياً، فإنها مقيدة بإجراء أبحاث مكلفة وهي أكثر اعتماداً على تقارير الوسطاء التي تستقى معظمها من مصادر خارجية. ويتطلب فهم هذه التقارير مهارات متقدمة، ولكن لا يزال هناك نقص واضح في الأخصائيين الذين يتمتعون بهذه المهارات في مجال التمويل الإسلامي. ومن الواضح أن هناك فرصاً للباحثين الماليين، لكن معظم العاملين في التمويل الإسلامي استقدموا من بنوك تقليدية».
التحول الرقمي
ولا يمكن التفريق بين البنوك التقليدية والإسلامية في الأمور المتعلقة بالتحول الرقمي. حيث يستفيد كلا النموذجين في الإمارات من وجود بنية تحتية تكنولوجية جيدة، بالإضافة إلى أن تفضيلات العملاء للخدمات الرقمية آخذ في الازدياد. وفي الوقت نفسه، يرى الخبراء أن المنظمين سيواصلون حماية نظامهم المصرفي من المنافسة من التكنولوجيا المالية نظراً للدور المهم الذي يلعبه النظام في تمويل الاقتصاد.
ويعد التحول الرقمي أمراً مكلفاً، سواء كان ذلك من خلال الاستعانة بمصادر خارجية أو داخلية. وعلى سبيل المثال استطاع بنك Maybank Islamic تقليل تلك التكاليف من خلال مشاركة منصة مشتركة عبر مجموعة Maybank بأكملها. ولكن مثل هذا النهج غير ممكن بالنسبة للبنوك الإسلامية المستقلة، وهنا تتيح التكنولوجيا الجديدة للعملاء ربط مواردهم المالية في البنوك المختلفة بأنفسهم. ويمكن أن يكون ربط معاملات الحساب الجاري بأصول الاستثمار خطوة أولى. ومع زيادة إلمام العملاء بتكنولوجيا المعلومات، يقول الخبراء إنه على البنوك الإسلامية الاستماع للعملاء والقيام بخطوات جدية باتجاه التحول الرقمي ولو بشكل تدريجي.
وتتوقع وكالة موديز لخدمة المستثمرين أن يستمر التمويل الإسلامي في النمو عام 2022 مع تسارع الانتعاش الاقتصادي وخصوصاً في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي (GCC). وفي الوقت نفسه تتوقع الوكالة أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تراجع حجم إصدار الصكوك هذا العام، مدفوعاً إلى حد كبير بانخفاض احتياجات التمويل في دول مجلس التعاون الخليجي.
وقد تراجع حجم إصدار الصكوك بنسبة 12% في عام 2021 ليصل إلى 181 مليار دولار وسط انخفاض الاحتياجات التمويلية السيادية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي (GCC) وإندونيسيا، وسط ارتفاع أسعار النفط والانتعاش الاقتصادي. كما يتوقع أن يستمر تراجع حجم إصدار الصكوك في عام 2022 ليتراوح بين 160 إلى 170 مليار دولار.
