لا يمكن للزائر العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس إلا أن تنتابه مشاعر من الدهشة الممزوجة بإحساس غريب من الانتقال إلى عالم مختلف تماماً عن بقية الأماكن التي طاف فيها في أرجاء المعمورة. وليس موقع الأرجنتين في أقصى جنوب الكرة الأرضية السبب الوحيد فحسب، بل يأخذك هواء المدينة ومعالمها وشعبها وشوارعها إلى حالة فريدة من المتعة المشوبة بالمغامرة في كل ركن من أركانها. ولطالما اعتبرت بوينس آيرس بمثابة «باريس في نصف الكرة الأرضية الجنوبي»، حيث يظهر بشكلٍ جلي التأثير الأوروبي (وخاصة الفرنسي والإيطالي) في هندستها المعمارية الرائعة ونشاطها الثقافي الواسع. وتعدّ المركز الاقتصاديّ والسياسيّ والماليّ للبلاد، وتشتهر بأنّ غالبية طرقاتها، وحين تلتقي ببعضها، تؤلّف زوايا قائمة، احتراماً للمخطط المدني الإسباني القديم. وتوجد علاقة ثقافية كبيرة تربط بوينس آيرس بجذورها الأرجنتينية الأصلية ولكن تعد ثقافة المهاجرين أكثر انتشارا، فمثلا تم تصميم شبكة الطرق على النمط الفرنسي. كما ينتشر في المدينة العديد من المهاجرين الإيطاليين، وستجد العديد من الناطقين باللغة الإسبانية. يبلغ عدد سكانها وضواحيها يصل حالي 14 مليون نسمة. ويعيش حوالي ثلث سكان الأرجنتين في منطقة بوينس آيرس الحضرية. تتمتّع بوينس آيرس بمناخ شبه استوائيّ رطب، حيث يسجّل متوسّط درجات الحرارة السنوي ما يقارب 16 درجة مئوية. شتاؤها لطيف، فيما شهر يوليو هو الأكثر برودةً، بدرجة حرارة مئوية تبلغ الصفر. أمّا في الصيف، فمتوسط درجات الحرارة يبلغ 22 درجة مئويّة، وأفضل الأوقات لزيارتها في شهري ديسمبر ويناير. إن بوينس آيرس ليست المدينة الأولى التي تم تأسيسها في الأرجنتين، حيث لم تكن تستخدم حتى كمهجع من قبل الصيادين من السكان الأصلين. ومع ذلك وفي العام 1535، قام الأرستقراطي الإسباني بيدرو ميدوزا بإنشاء ميناء في المياه الطبيعية التي أوجدتها دلتا النهر. والعاصمة تغطي مساحة 200 كيلومتراً مربعاً، بينما تمتد منطقتها الحضرية لمساحة 3630 كيلومتراً مربعاً.  وتحتل بوينس آيرس المركز الأول في البلاد من حيث كونها ميناء بحرياً وتجارياً مهماً ويتم عن طريقه استيراد المواد الأولية والمواد الصناعية. ويعد الميناء رئة الأرجنتين. فطاقته التحميلية تزيد على ثمانية ملايين طن سنوياً. ويمر عبره أكثر من 75 في المئة من التجارة الخارجية للبلاد وجميع المسافرين تقريباً.

أحياء وصِفات

وفي المدينة، الكثير لتشاهده. بإمكانك التجول في شارع بورخيس المسمى على اسم الكاتب الراحل خورخي بورخيس والشهير بمقاهيه وزواره من كتاب وروائيين عالميين ، إضافةً إلى أنك تستطيع أن تتبضع من هناك الملابس الجلدية والتحف والكتب. وهناك أيضاً ميدان «دي مايو»  قلب بوينس آيرس النابض الواقع في شرقها وقريب من الواجهة المائية، حيث يعتبر الميدان بداية نشأة المدينة في القرن السادس عشر. ويضم الميدان «المنزل الزهريّ» وهو القصر الرئاسي ويتوسّطه متنزّه يقصده الناس لتناول طعام الغذاء على عشبه الأخضر. واختير اللون الزهري للقصر اعتمادا على الخلط ما بين اللون الأحمر رمز الفيدراليين واللون الأبيض رمز الاتحاديين. ويمتد شارع عريض يسمى «أفيندا دي مايو» غربًا إلى مبنى الكونغرس. ويقع الحي التجاري الرئيسي مباشرة شمالي وغربي ساحة «دي مايو». ويمتد شارع «أفينيدا 9 دي خوليو»، وهو أعرض شارع في العالم من الشمال إلى الجنوب عبر هذا الحي. ويبلغ عرض هذا الشارع 130 متراً. كذلك، لا بد من زيارة المكتبة الوطنية التي تبدو وكأنها قصر منيف ومسرح كولون الذي يُعدّ أحد أرقى دور الأوبرا في العالم، من دون نسيان الحي الشهير «لا بوكا»، ذلك الحي الملون المليء بالمبدعين والنحاتين ذوو الأصول المهاجرة الذين حولوه إلى واحة من الإبداع. ولمحبي اقتناء التحف، باستطاعتهم زيارة حي سان تيلمو. أما لهواة الحياة الليلية، فبإمكانهم زيارة حي بويرتو ماديرو وهو رصيف ميناء المدينة القديم ويشكّل الشارع مستقبل العاصمة الأرجنتينيّة، حيث الصورة العصريّة عن الأرجنتين. وفي هذه المنطقة تكمن حياة الليل بمقاهيها ومطاعمها ومنها يمكن ركوب قوارب عبر نهر «ريو دي بلاتا» الذي يفصل الأرجنتين عن الجارة الأوروغواي. ويستمتع السائح بمناظر الغابات المنتشرة على جانبيه وبالبيوت الملونة التي يقضي فيها سكان العاصمة إجازاتهم والتي حولها بعض أصحابها الى مطاعم ريفية تقدم الاطعمة المختلفة للسواح، اضافة الى المهرجانات المتعددة التي تقام سنويا هناك.

كذلك، هناك شارع ريكوليتا الراقي الذي يضم مقبرة تعتبر نقطة جذب سياحي غريب للزائرين، حيث تحوي قبور وأضرحة جميع مشاهير الأرجنتين من إيفا بيرون إلى الرؤساء السابقين والجنرالات. ويعتبر الحي أيضاً مركزاً ثقافياً حيث تعرض فيه مسرحيات الشارع والتمثيليات الصامتة ومعارض الحرف. ومن الاماكن التي لا بد من زيارتها، شارع فلوريدا وهو واحد من اهم شوارع العاصمة ويعد مركزا تجاريا مهما يضم مئات المحال التي تبيع الملابس والمنتجات الجلدية والاحذية والتحف، بالإضافة الى العديد من المطاعم والمقاهي التي تقدم الاطعمة في أجواء ساحرة من الاستعراضات ورقصات «التانغو» . كذلك، فإن زيارة كاتدرائية «مترو بوليتين» من قبل السواح الاجانب والتي تحتوي على مقبرة المناضل الارجنتيني جوزي دي سان مارتن تستأثر بأعداد كبيرة سنويا. كما أن «حدائق باليرمو» جميلة جدا ومثالية للمشي وتضم مجموعة كبيرة من الأشجار الأرجنتينية الأصلية والنباتات المزهرة وكذلك ثلاث بحيرات اصطناعية وبعض المعالم التاريخية.  تعد هذه الحديقة مكانا مثاليا للهروب من صخب المدينة.  يمكنك في الحديقة الاستمتاع بالركض وركوب الدراجة أو استئجار زورق صغير للأطفال. وفي بوينس آيرس أيضاً، مبنى «كابيلدو» وهو أول مبنى حكومي أنشئ في المدينة وكان ذلك في العام 158. خضع المبنى للعديد من الإصلاحات والترميمات حتى أصبح اليوم واحدا من أهم المتاحف بالمدينة ويضم عددا من الأسلحة القديمة والأوسمة والملابس التي تعود إلى عصر الاستقلال.

الغولف والبولو

وليكتمل العجب، تشتهر الأرجنتين برياضتي الغولف والبولو اللتان يمارسهما أفراد الطبقة الارستقراطية منذ عقود طويلة. وهناك الكثير من الملاعب المنتشرة في العاصمة وحولها وبقية المدن، حيث يعشق الأرجنتينيون هاتين الرياضتين، وإن ليس بمقدار حبهم لكرة القدم، حيث تطالعك صور ليونيل ميسي ودييغو مارادونا أينما ذهبت في بيونس آيرس. إن نزهة في «مزارع بولو» والاستمتاع بالأكل الشعبي والفلكلور الأصيل بالإضافة إلى ركوب الخيل، توفر تجربة فريدة من نوعها لمحبي تلك الرياضة.

رقصة التانغو

والتصق اسم الأرجنتين برقصة «التانغو»، حتى سميت «بلاد التانغو». وإذا أردت تعلم هذا الفن، فإنه من السهل العثور على العديد من المدارس التي تعلم هذا الفن. اسأل عن عرض ميلونغاس الذي ينصح بعدم تفويته. وتقام الفعاليات المسائية التي تعرف بهذا الاسم بانتظام في العاصمة الأرجنتينية. ولتلك الحفلات جمهور غفير ومواظب يعتبر الرقصة مفهوماً اجتماعياً متكاملاً وهوية ثقافية ووطنية لا يجب أن تندثر. وفي أي مسرح من مسارح بيونس آيرس الكثيرة، بإمكان المرء أن يحضر عرضاً يتضمن وجبة عشاء ومسرحية غنائية تحكي عن الحب والسفر ومشاكل المجتمع تتخللها رقصات «التانغو» التي تأخذ الألباب.

«غاوتشو» و«إستانسيا»

وبإمكانك الاحتفال على طريقة رعاة البقر الأرجنتينيين «غاوتشو» في مزرعة كبيرة تسمى «إستانسيا». وهذه المزارع منتشرة في المناطق الريفية على بعد نحو 50 كيلومتراً من العاصمة، ولعل أشهرها «لا بامبا دي أريكو» المقامة على أحدث طراز لكن بشكلٍ تراثي بحت يراعي الفخامة والرفاهية وسط أجواء ريفية حقيقية دافئة وحميمية ينتشر فيها عبق الخشب المحترق على مدفأة الحطب وروائح الأزهار المتناثرة في السهول المجاورة والمحيطة بالمكان التي ترافقها سيمفونية حفيف أوراق الأشجار والتي يداعبها النسيم العليل. ولا غرو في ذلك، فبوينوس آيرس تعني باللغة الاسبانية «الهواء العليل». ففي «لا بامبا دي أريكو»، بإمكان الزائر أن يتناول أطايب الأطباق الأرجنتينية المعدة على طريقة الشواء المعروفة هناك تقليدياً، حتى أن الحلويات يتم تسخينها بالعصا المعدنية التي تدمغ فيها عادة حدوة الحصان (وطبعاً تكون نظيفة وغير مستعملة.. فالهدف هو إضفاء جو رعاة الأبقار ليس إلا). و«لا بامبا دي أريكو» هي واحدة من عدد من الملكيات القديمة والمزارع التي تستقبل اليوم الزوّار الذين يريدون مسحة من التراث. يمكن للضيوف أن يشاهدوا الكثير من المباريات ويتنزّهوا في الريف الواسع. وتقدّم «لا بامبا دي أريكو» تجهيزات معاصرة كالسبا والمسابح الفخمة والغرف المزودة بأحدث التجهيزات. وتقع في قرية سان أنطونيو دي إريكو على بعد ساعتين عن بوينس آيرس، وغرفها تعتبر ملاذاً أنيقاً وواحة هدوء وسكينة تزينها مفروشات داكنة وأعمال فنيّة تزيده ألقاً من تصميم صممه فرانسيسكو وفلورنسا غيفارا.

«بان أميريكانو»

أما للإقامة في بوينس آيرس، فمن المؤكد أن فندق «بان أميريكانو» هو الخيار الأمثل. فالفندق يقع وسط المدينة تماماً على بعد خطوات من المعلم الأشهر في العاصمة الأرجنتينية وهو المسلة التي تعتبر نصباً تاريخياً ورمزاً للمدينة، ومقابل مسرح «كولون» المشهور ودقائق سيراً على الأقدام من الشوارع المعروفة مثل ريكوليتا وفلوريدا. ومع ذلك، فإنه يضمن لنزلائه راحةً تامة بفضل مساحته الكبيرة وكأنه قلعة وسط المدينة، حيث ما أن يلج الزائر مدخل الفندق حتى ليظن أنه في قصر منيف، لغلبة الزخرفة الأنيقة والفارهة على ديكوراته. ويبلغ عدد الغرف مجتمعةً 314 التي لم تترك تفصيلاً صغيراً إلا وتضمنته من الأساسيات كتلفاز الشاشة المسطحة إلى حتى ملطفات الجو ومصففات الشعر لخدمة النزيل. ويحتوي «بان أميريكانو» مركز أعمال مجهز بأحدث التقنيات التي تساعد على عقد المؤتمرات وحلقات النقش، وما هو ما يؤهله لأن يكون فندقاً عائلياً ولرجال الأعمال في الوقت ذاته، كما أن إدارته تؤمن كافة النشاطات وأعمال الترفيه للزبائن والجولات السياحية مسبقاً. ولا يمكن نسيان السبا المسمى «نيفيل 23» والمسبح والصالة الرياضية التي تقع على سطح الفندق وسط إطلالة بانورامية خلابة للعاصمة الأرجنتينية وحتى ملعب الغولف الداخلي، وكأن الفندق يدعو نزلائه إلى عدم مغادرته، ولم لا؟، وكل الخدمات متوفرة في أرجائه. ومن المؤكد أن مطاعم الفندق توفر للسائح تجربة حواس فريدة من نوعها مثل «لا لوسيرناغا» و«تومو» و«سيلتك بار» الذي يحاكي التقاليد الايرلندية لمحبي التغيير.

حديقة لوغان

ولمحبي المغامرات، بإمكانهم زيارة أخطر حديقة حيوان في العالم والأكثر إثارة للجدل، وهي حديقة حيوان لوغان (على بعد 70 كيلومتراً من العاصمة) حيث يسمح للسياح بالاقتراب جدا من الحيوانات المفترسة ودخول أقفاصها. ويمكن للزوار ركوب الأسود، عناق الدببة، وإطعام النمور ولمس الفيلة!. وجميع الأقفاص في الحديقة هي في متناول الجميع. ويقول الناطق باسم الحديقة إنهم يطعمون الحيوانات ولا يبقونها جائعة أو بحاجة إلى الطعام على الإطلاق، كما أنهم الوحيدين في العالم الذين يمارسون تقنيات تدريبية خاصة في وداعة الحيوانات.

إن أهم ما جعل السياحة في الأرجنتين تزدهر هو جبالها المغطاة بالثلوج والمشاهد الطبيعية الرائعة وليس فقط جمال العاصمة. فهناك العديد من المناطق السياحية التي لا مثيل لها مثل شلالات إجوازو وشبه جزيرة فالديس وجبال بيريتو مورينو الجليدية. وعلينا ألا ننسى أن مدينة أوشوايا هي آخر مدينة في جنوب الكرة الأرضية والأقرب إلى القطب الجنوبي، ما يجعل الأرجنتين بحق غنية طبيعياً من جبال وصحراء وجليد ومدن حضرية.



خلفية

تحد الأرجنتين تشيلي من الغرب والجنوب، بوليفيا وباراغواي في الشمال، والبرازيل وأوروغواي من الشمال والشرق. ومنذ أعوام، أصبحت السياحة من أهم الانشطة الاقتصادية التي شهدت تطوراً كبيراً، وأصبحت الارجنتين واحدة من أهم الدول السياحية في القارة. وتسيّر طيران الإمارات رحلات من دبي إلى بوينس آيرس عبر ريو دي جانيرو.