تشير التقارير الدولية الى مسعى الحكومة الصينية منذ سنوات الى تدويل عملتها المحلية (اليوان)، أي جعلها عملة احتياطية دولية كما هو حال سائر العملات القيادية المتداولة اليوم في النظام النقدي الدولي. والواقع ان هذا "الحلم" الصيني في تدويل اليوان جاء إثر التطورات الدراماتيكية التي شهدها الاقتصاد الصيني في الاقتصاد الدولي لاسيما في مجالي التجارة الخارجية والاستثمار.
إطلالة على الاقتصاد
الصين اليوم هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم (8 ترليونات دولار) من حيث الناتج المحلي الاجمالي بعد الولايات المتحدة الأمريكية. كما شهدت معدلات النمو السنوية زيادات مطردة بلغت 10% خلال الفترة 1978-2011.
وتفيد التوقعات بأنه إذا ما استمرت الصين على هذا المنوال من النمو المرتفع والأداء الملفت لاسيما في تجارتها الخارجية فإنها قد تصل الى حجم الاقتصاد الأمريكي أو تتجاوزه في منتصف القرن الحالي.
هذا وتتقدم الصين على عدد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة (كاليابان ودول منطقة اليورو وروسيا وكوريا الجنوبية والهند) من حيث حجم المتراكم من الاحتياطيات الأجنبية. إذ بلغت 3.3 ترليونات دولار في أبريل 2012.
ومنذ عام 2002، حافظت الصين على مكانتها الثالثة عالمياً من حيث حجم رأس المال الأجنبي المستخدم. كذلك تبرز الصين بوصفها أكبر مصدر في العالم، وثاني أكبر مستورد بعد الولايات المتحدة.
كما تعد ثاني أكبر مستورد للنفط بعد الولايات المتحدة. هذا وتفيد التقارير الصينية بأن الاقتصاد الصيني قد شهد إعادة هيكلة واسعة شملت مختلف القطاعات، حيث انتقل من اقتصاد مغلق الى اقتصاد منفتح. كما تحسنت المؤشرات الاقتصادية الاجتماعية فيها بصورة ملحوظة.
ومن الجدير بالذكر ان التوجه الصيني نحو تدويل اليوان يأتي متزامناً مع الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على الصين في إعادة تقييم سعر صرف عملتها المحلية باتجاه رفع سعرها من أجل تقليل القدرة التنافسية للمنتجات الصينية في الأسواق الأمريكية ما سيقلل من حجم العجز التجاري الذي تعاني منه الولايات المتحدة في معاملاتها التجارية مع الصين منذ عقود.
بيد أنه وبالمقابل تنأى السلطات النقدية الصينية عن تحرير اليوان بهذه السرعة خشية ان يؤدي ذلك بالفعل الى تصدع ميزتها التنافسية في التجارة الدولية وبالتالي التأثير السلبي على حركة انتاجها المعد للتصدير - وبالتالي على معدلات التوظيف وما يخشى أن يقود ذلك بالتبعية إلى إحداث قلاقل سياسية اجتماعية في البلاد.
رحلة تدويل
تعتمد السلطات النقدية في الصين منذ سنوات على نظام سعر الصرف المثبت بالدولار (حالياً 1 دولار = 6 يوانات تقريباً). وقد اتخذت الصين بالفعل خلال العامين الماضيين خطوات ملموسة لتحقيق حلمها في تدويل اليوان، من قبيل السماح لليوان بالتحرك مقابل الدولار - ضمن هوامش بسيطة والتي سرعان ما أدت الى ارتفاع سعره بسبب شدة الطلب العالمي عليه.
كما لجأت الصين الى فتح بنوك اعتماد في عدد من الدول - مثل هونج كونج - لتسوية المبادلات التجارية - مع الصين - باليوان فيما كانت تسوية المدفوعات عبر الحدود باليوان قبل عام 2010 مقتصرة على خمس مدن صينية اضافة الى الدول الأعضاء في مجموعة الآسيان.
كذلك سمحت الصين بتحويل/ تبادل اليوان مع العملات الدولية في بعض أسواق المال الدولية وإن كان ضمن نطاق محدود. ومؤخراً صير الى اصدار سندات الى خارج الصين مقومة باليوان.
من هنا، تشير الاحصائيات الى ان حجم الودائع الخارجية بالعملة الصينية قد تجاوز ما يعادل نصف ترليون دولار، ومن المتوقع أن تتجاوز حاجز الترليون في غضون فترة قصيرة. وتذهب التكهنات لأبعد من ذلك حيث تشير الى امكانية القابلية الكاملة لتحويل العملة الصينية خلال سنوات معدودة.
وعلى صعيد الإمارات، وفي يناير 2012 وقع البنكان المركزيان الصيني والإماراتي اتفاقاً يسمح لهما بمبادلة ما قيمته 5.5 مليارات دولار من العملة في إطار تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ومن المؤمل أن يسهل هذا الاتفاق مدفوعات التجارة الثنائية والاستثمار بإيجاد آلية تحد من مخاطر سعر الصرف بين اليوان والدرهم. ويشار الى ان الامارات بهذه الخطوة تكون قد قطعت شوطاً كبيراً على مسار توطيد مكانتها كمركز إقليمي رئيسي لتداول العملة الصينية على مستوى المنطقة وذلك أسوة بمراكز مالية عالمية أخرى.
كذلك لوحظ ان بعض البنوك العاملة في الدولة قد بدأت بالفعل فتح حسابات بالعملة الصينية وذلك لتعزيز حجم المعاملات التي تتم بين الدولة والصين، ولعل في مقدمة تلك البنوك هو بنك "الامارات دبي الوطني". يضاف الى ذلك، يتوقع مركز دبي المالي العالمي إجازة التعاملات باليوان الصيني ليوسع نظام المدفوعات الذي يركز على التسويات بالدولار واليورو.
آثار محتملة لتدويل اليوان في الاقتصاد الخليجي
لعل الذي يهم هو تحديد مضامين ظاهرة تدويل اليوان على الاقتصادات الخليجية وخاصة على السياسة النقدية المتبعة لدى دول المجلس واحتساب الربح والخسارة في حال تنامي وتائر تدويل اليوان في المستقبل المنظور، بما في ذلك الآثار المترتبة على أسواق المال الخليجية.
وتبرز أهمية هذه التساؤلات على خلفية الأهمية الاستثنائية للصين في التجارة الخارجية الخليجية من جانبي الصادرات والواردات معاً. وطبقاً لأحدث الاحصائيات، قفزت التجارة بين دول المجلس والصين خلال السنوات القليلة الماضية حتى بلغت 155 مليار دولار في نهاية العام الماضي 2012، أي ما يعادل 70% من اجمالي التجارة الخارجية العربية مع الصين. وبلغت قيمة الواردات الخليجية من الصين 101 مليار دولار في حين بلغت صادراتها الى الصين 54 مليار دولار.
وعلى صعيد الصادرات النفطية، تعد الصين ثاني أكبر مستورد للنفط في العالم، ومن المتوقع أن تصل حصتها من اجمالي الطلب العالمي على النفط 20% في عام 2015، وأن أكثر من 70% من الواردات الصينية النفطية تأتي من منطقة الخليج العربي، وتبلغ حصة السعودية وحدها نحو 17%، تأتي بعدها الامارات.
وفي إطار التفاعلات الاقتصادية القائمة بين دول المجلس والصين فإن ثمة مجموعتين متلازمتين من الآثار ستترتب على تدويل اليوان:
1. الآثار المباشرة، وترتبط بحجم المعاملات التجارية بين دول المجلس والصين. حيث ان ارتفاع سعر اليوان سيعني بالضرورة ارتفاع تكلفة فاتورة الواردات من وجهة نظر المستورد الخليجي لأنه في هذه الحالة سوف يدفع وحدات نقدية (دولارية) أكثر لقاء الحصول على نفس الكمية من السلع والخدمات الصينية أو على نفس الكمية من اليوان التي كان يحصل عليها سابقاً (قبل ارتفاع قيمة اليوان)، ما يعني انخفاض الطاقة الاستيرادية لتلك الدول.
وللتبسيط، فإنه اذا افترضنا ارتفاع قيمة اليوان مقابل الدولار بمقدار يوان واحد (أي 1 دولار = 5 يوانات بدلاً من 6 يوانات)، أي بنسبة 3%، فستخسر دول المجلس نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات - في هذه الحالة - بحوالي 3 مليارات دولار.
2. الآثار غير المباشرة: وتتمثل بمترتبات ارتفاع قيمة "اليوان" على الاحتياطيات الدولية لدول المجلس وبالتالي على السياسة النقدية. وعلى نحو أوضح، فان ارتفاع قيمة "اليوان" يعني بالضرورة - بافتراض بقاء بقية العوامل الأخرى ثابتة - انخفاض قيمة الدولار (على أساس أن سعر الصرف يعني أساساً سعر تبادل عملة بعملة أخرى)، الأمر الذي سيؤدي الى تآكل القوة الشرائية للاحتياطيات الدولية "الدولارية" لدول المجلس في ظل حقيقة أن الجزء الأعظم من تلك الاحتياطيات يكون مقوما بالدولار وخاصة في حالتي الامارات والسعودية.
تطورات
على ضوء هذه الحقائق العلمية والواقعية، فإنه من الضروري للسلطات النقدية والقطاعات المصرفية لدول المجلس أن تعي بهذه التطورات الحاصلة في قيمة "اليوان"، وأن تسارع الى إعادة النظر في سياساتها النقدية وخاصة لجهة تنويع احتياطياتها الدولية، بحيث يصار الى استبدال جزء من تلك الاحتياطيات "الدولارية" باليوان الصيني على الطريقة الاماراتية سالفة البيان من أجل تجنب حصول خسائر حتمية سواء في تجارتها مع الصين نتيجة لارتفاع تكلفة الواردات أو تناقص القيمة السوقية لاحتياطياتها الدولية المقومة بالدولار.
جدلية
رغم الاجراءات التي اتخذتها الحكومة الصينية باتجاه تدويل عملتها، لا تزال هذه الظاهرة محل جدل مستمر بين أوساط الخبراء والمراقبين وخاصة من حيث مدى امكانية أن تأخذ العملة الصينية مكانة الدولار ومركزيته في النظام النقدي الدولي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الوقت الراهن رغم بروز عملات دولية جديدة منافسة للعملة الخضراء.
ذلك لأن عولمة أية عملة محلية لا يمكن تحقيقها من دون تلبية استحقاقات وتتطلب وقتاً طويلاً، تأتي في مقدمتها أن تتمتع الدولة صاحبة العملة باقتصاد ضخم وانتاجية عالية، اضافة الى وجود غطاء نقدي وربما ذهبي في احتياطياتها الدولية، كما لا بد أن تحظى تلك العملة بثقة وقبول دوليين، وأن تكون قابلة للتحويل (أي امكانية تحويلها الى عملات أخرى ما يستدعي من الدولة صاحبة العملة عدم فرض قيود على مدفوعاتها الخارجية المقومة بها).
كذلك لا بد من وجود مؤسسات دولية داعمة للعملة.