في الوقت الذي خفضت فيه البنوك المركزية الكبرى في العالم العائد على الأصول الآمنة ليقترب من الصفر، بدأ بعض المستثمرين في التخلي عن حذرهم والإقبال على شراء السندات غير السائلة التي كانت مهملة في السابق، والتي باعتها دول ليس لها تاريخ يذكر في أسواق المال.

ويقر كبار المستثمرين بأن «الأسواق الناشئة الجديدة» مثل فيتنام ورومانيا ليست مناسبة لضعاف القلوب، نظرا لأنه لا يدري أحد ما إذا كان اللاعبون الجدد في أسواق السندات سيستطيعون الوفاء بالتزاماتهم.

وقد يكون لشراء سندات تلك الدول تداعيات مؤلمة، مثلما كان الحال مع الأسواق الناشئة في خضم الأزمة الاقتصادية الأرجنتينية بين عامي 1999 و2002 والأزمة المالية الآسيوية في عام 1997 والأزمة المالية الروسية عام 1998.

ومع إقبال المستثمرين على الأسواق الناشئة الجديدة يوصي المحللون بتوخي الحذر في الاختيار بين هذه الدول. وينصح بعض مديري الصناديق المستثمرين بعدم المجازفة بالدخول في هذا القطاع، نظرا لأن أخطاره تفوق عوائده.

تنوع

وقال نيكولا جاكييه، الخبير الاقتصادي المختص بالأسواق الناشئة في «ستاندرد لايف انفستمنت»، التي تدير أصولاً بقيمة 272.6 مليار دولار، وتملك سندات لبارغواي: «الخطر الرئيسي الذي تواجهه عند شراء السندات هو خطر العجز عن السداد».

وأضاف «لكن من الخطأ النظر إلى مجموعة الأسواق الناشئة الجديدة نظرة واحدة، لأنها مجموعة متنوعة للغاية. تتنوع فيها الجدارة الائتمانية وأخطار العجز عن السداد، من دولة لأخرى».

وفي الآونة الأخيرة دخلت بوليفيا وبارغواي وهندوراس سوق بيع السندات السيادية للمرة الأولى. وهذه الدول الثلاث من أشد دول أميركا اللاتينية فقراً، ويبلغ مجموع ناتجها المحلي الإجمالي نحو 67 مليار دولار، أي أقل من نصف حجم اقتصاد العراق الذي مزقه الصراع.

وأصدرت بارغواي سندات لأول مرة دون أن يكون لها سجل معروف في سداد ديونها للمستثمرين الأجانب، إذ طرحت سندات سيادية بقيمة 500 مليون دولار في يناير، أي قبل أربعة أشهر من انتخاباتها الرئاسية.

وقال جاكييه: «لم تكن الانتخابات مصدر قلق كبير، نظرا لأن بارغواي بها اجماع على نطاق واسع بين صناع السياسات والأحزاب بشأن وضع السياسة الاقتصادية وما يصب في مصلحة البلاد»، مضيفا أن السياسة تلعب دورا كبيرا في قرارات الاستثمار.

ولم يكن بيع السندات أمرا يتوقعه أحد. فالمستثمرون تنافسوا على شراء جزء من السندات البالغ أجلها عشر سنوات، والتي صنفت بأنها عالية الأخطار رغم ضآلة عائدها البالغ 4.625%. وعلى العكس تماماً كان العائد على سندات «جنرال إلكتريك» لأجل عشر سنوات، والمصنفة عند درجة عالية، يزيد بنحو 0.58 نقطة مئوية على عائد سندات بارغواي.

شهية

واستفادت بارغواي في طرح سنداتها من ارتفاع شهية المستثمرين للمخاطرة وجني الأرباح، إذ فاق الطلب حجم المعروض من السندات بمقدار 12 مرة أو ثلاثة أمثال المعدل المتوسط للطلب.

ويوضح ذلك التداعيات غير المقصودة المترتبة على ضخ مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي أكثر من 2.7 تريليون دولار بشكل مباشر في الاقتصاد الأميركي. وفي الآونة الأخيرة انضم بنك اليابان إلى هذا النشاط، ودشن برنامجا خاصا به لشراء سندات بقيمة 1.4 تريليون دولار.

ودفعت السياسات التي تبنتها بنوك مركزية، مثل مجلس الاحتياطي الأميركي أو بنك اليابان، المستثمرين، حتى الحذرين منهم، إلى شراء المزيد من الأصول غير النقدية في أسواق متأخرة يكتنفها الغموض، تعرض عائدات أعلى قليلا، ولكنها تنطوي على مخاطر أكبر بكثير في ظل الإصرار على انخفاض عائدات السندات الآمنة.

ويتفق جيم كارلن وهو مدير محفظة في صندوق سندات الأسواق الناشئة التابع لمجموعة كولومبيا مانجمنت، والذي تبلغ قيمة أصوله 166 مليار دولار، مع الرأي القائل إن الاستثمار يجب أن يحدد على «أساس كل دولة على حدة، ولكن إذا نظرت إلى جميع هذه الدول باعتبارها حزمة واحدة، مثل رواندا وبارغواي وهندوراس وسألت نفسك: هل تحظى حقا بتعويض عن مستوى المخاطرة في هذه الدول؟ سأقول لك لا».

وأضاف «تقارب فروق الفائدة الذي ترونه في هذه الدول هو في الحقيقة عامل يساهم في مستوى السيولة المرتفع بالأسواق العالمية والتدفقات الكبيرة في أدوات الدخل الثابت بالأسواق الناشئة على وجه الخصوص». ورغم ذلك يزيد حجم الاستثمار في الأسواق الناشئة الجديدة.

رؤوس أموال

وهذه الدول الصغيرة لا تزيد رؤوس الأموال في الأسواق الدولية للمرة الأولى فحسب، ولكنها تفعل ذلك بأسعار فائدة شديدة الانخفاض، لم يكن من الممكن تخيلها قبل أقل من خمس سنوات.

وفي أبريل الماضي باعت رواندا، التي شهدت إبادة جماعية قبل 19 عاما، سندات مقومة باليورو بقيمة 400 مليون دولار، في أولى عملياتها لبيع السندات في السوق الدولية، ملحقاً بها كوبون 6.625 في المئة، بما يزيد بنصف نقطة مئوية فقط على متوسط العائد حتى الاستحقاق على السندات التجارية الأميركية عالية العائد، حسبما أظهرت بيانات مؤشر أدوات الدخل الثابت، التي أصدرها بنك أوف أميركا ميريل لينش.

وجذب طرح السندات الرواندية طلبات بقيمة 3.5 مليارات دولار، ووصفه أحد الضامنين بأن «سعره مثالي».

وقبل الشراء يقوم مستثمرو سندات الأسواق الناشئة الجديدة بتقييم مخاطر العجز عن السداد من خلال حجم الديون المستحقة على الدولة، وميزاني المعاملات المالية والخارجية، ومدى قدرتها على جذب النقد الأجنبي.

ويقول جاكييه «ديون بارغواي ضئيلة جداً، والبنك المركزي يستهدف التضخم، وعملية إعداد الموازنة سليمة تماما. ذلك يعطينا المزيد من الثقة في أن الحكومة ستفي بالتزاماتها».

وأضاف «هذا بالمقارنة مع دول أخرى مثل هندوراس، التي نواجه فيها وضعا أقل إيجابية في ضوء ضخامة ديونها».

ولجأت هندوراس إلى إصدار أول سنداتها الدولية العام الماضي بعد نفاد جميع خيارات التمويل المحلية. وأصدرت هندوراس الشهر الماضي سندات بقيمة 500 مليون دولار مستحقة في عام 2024، بعائد 7.5%، أو بما يزيد بمقدار 547.9 نقطة أساس على سندات الخزانة الأميركية.

أخطار

 

تعتبر الأسواق الناشئة الجديدة فرعا من فئة الأصول المحفوفة بالأخطار بالفعل وهي الأسواق الناشئة. فثمة دول قليلة لها سجل معروف في الوفاء بالتزاماتها، وهناك دول مثل الأرجنتين لديها تاريخ في الاضطرابات السياسية والتغيرات المفاجئة في النظام.

وفي عام 2002 تخلفت الأرجنتين عن سداد أكثر من مئة مليار دولار، في أكبر خسارة لمستثمري السندات السيادية في العصر الحديث، وذلك بسبب سياساتها الاقتصادية الضعيفة والارتفاع المفرط لمعدل التضخم والركود وديونها الطائلة. ورغم ذلك ينتقي المستثمرون مشترياتهم بعناية شديدة،