وافق وزراء مالية منطقة اليورو أمس على حزمة إنقاذ ثانية لليونان بقيمة 130 مليار يورو (172 مليار دولار) لتجنيبها التخلف عن سداد ديون في مارس بعد أن أقنعت حملة السندات من القطاع الخاص بتحمل خسائر أكبر وأقنعت أثينا بالالتزام بتخفيضات أشد. وتوافقت دول منطقة اليورو على خطة الإنقاذ الجديدة غير مسبوقة لليونان تناهز قيمتها 230 مليار يورو بهدف تفادي افلاس هذا البلد الذي ستكون له تداعيات لا يمكن التكهن بها على اوروبا برمتها.
وبعد محادثات استمرت 13 ساعة (بدأت مساء أمس الأول وانتهت في وقت مبكر من أمس) أكمل الوزراء الإجراءات اللازمة لخفض الدين اليوناني إلى 120.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2020 وهو مستوى أعلى بنسبة بسيطة من الهدف الأصلي (في مقابل 160% حالياً)، وذلك للحصول على الحزمة الثانية في أقل من عامين وسداد مدفوعات سندات في الشهر المقبل.
وكانت المفاوضات طالت لان أكبر دائني اليونان أثاروا ضرورة ملء ثغرة بمليارات اليورو للتمكن من تقليص الدين اليوناني، وذلك بناء على رغبة صندوق النقد الدولي وبعض دول منطقة اليورو على غرار ألمانيا ولوكسمبورغ.
مراقبة شديدة
في المقابل، ستخضع اليونان لمراقبة شديدة من جانب دائنيها لضمان عدم انحرافها عن الاهداف المحددة.
ويشتمل الاتفاق من جهة على مساعدة من القطاع العام محورها قروض تصل إلى 130 مليار يورو، بعد برنامج اول من القروض لليونان اتخذ قرار في شانه في مايو 2010 وبلغ نحو 110 مليارات يورو.
ويتصل الجانب الآخر من الاتفاق بشطب لديون اليونان لدى دائنيها في القطاع الخاص من مصارف وصناديق استثمار.
وستوافق هذه الجهات على خسارة نهائية نسبتها 53,5%، ما يعني بذل جهد اضافي مقارنة بالهدف السابق الذي تجلى في نسبة 50%. وهذا يعني تقليص دين اليونان بنحو 107 مليارات يورو، وهو مبلغ قياسي في التاريخ الاقتصادي العالمي.
وبفضل خطة الدعم هذه، ستتمكن اليونان من تسديد 14,5 مليار يورو في 20 مارس وتفادي خطر الافلاس.
رضوخ لشروط الدائنين
والتزمت اثينا الجانب المتعلق بها عبر الرضوخ لشروط دائنيها في القطاع العام، وتبنت خطة تقشف جديدة بعد تظاهرات عنيفة في الشارع ومزيد من الاضطراب السياسي، تقضي بتوفير 3,3 مليارات يورو خلال هذا العام عبر خفض الحد الادنى للاجور وتقليص تعويضات التقاعد.
والتزم زعيما حزبي الائتلاف الحكومي، أي الاشتراكيين والديمقراطية الجديدة، خطيا احترام هذه الوعود الاصلاحية على ان يشمل ذلك مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية المقررة في ابريل.
وبالاتفاق على أن يوزع البنك المركزي الأوروبي أرباحه من شراء السندات وأن يتحمل حملة السندات من القطاع الخاص مزيدا من الخسائر خفض الوزراء الدين إلى المستوى اللازم للحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي والمساعدة على دعم منطقة اليورو التي تضم 17 دولة.
لكن إجراءات التقشف التي التزمت بها اليونان تواجه استياءً شعبيا واسعا وقد تسبب صعوبات للبلاد التي من المقرر أن تجري انتخابات في ابريل. ومن شأن تفجر مزيد من الاحتجاجات أن يختبر التزام السياسيين بخفض الأجور ومعاشات التقاعد والوظائف.
ضغوط المانحين
ويتعين على كل حكومة في منطقة اليورو أن توافق على الحزمة. وقد ضغط المانحون الشماليون مثل ألمانيا لإلزام اليونان بإجراءات أكثر صرامة لكن وزير المالية الألماني فولفجانج شيوبله قال إنه واثق جدا في أن أغلبية في البرلمان ستوافق على الحزمة.
وقال جان كلود يونكر رئيس مجموعة اليورو التي تجمع وزراء مالية المنطقة في مؤتمر صحفي: توصلنا إلى اتفاق بعيد المدى بشأن برنامج اليونان الجديد ومشاركة القطاع الخاص من شأنه أن يخفض ديون اليونان بشدة ويمهد لمستقبل اليونان في منطقة اليورو.
ويقول بعض الاقتصاديين إنه لا تزال هناك تساؤلات بشأن قدرة اليونان على سداد أعباء الدين التي تم خفضها.
وقد تتطلب العودة إلى تحقيق النمو الاقتصادي عقدا من الزمان وهو مما دفع آلاف اليونانيين للنزول إلى الشوارع للاحتجاج يوم الأحد. وستؤدي التخفيضات إلى تفاقم الركود الذي دخل بالفعل عامه الخامس وهو ما سيؤثر سلبا على إيرادات الحكومة.
وقال فاسيليس كوركيديس رئيس اتحاد التجارة اليوناني لقد زرعنا الرياح والآن نحصد العاصفة ... برنامج الإنقاذ الجديد يبيعنا الوقت والأمل بسعر مرتفع للغاية ويواصل فرض إجراءات تقشف قاسية تبقينا في ركود طويل وعميق.
مقايضات للديون
وسيجري شطب ديون بقيمة نحو 107 مليارات يورو حيث ستقايض بنوك وشركات تأمين سندات بحوزتها مقابل أوراق مالية بآجال أطول وبكوبون فائدة أقل.
وسيتحمل حملة السندات اليونانية من القطاع الخاص خسائر قدرها 53.5% من القيمة الاسمية لسنداتهم. وكانوا قد وافقوا في وقت سابق على تحمل خسارة بنسبة 50% أي ما يعادل خسارة 70% من صافي القيمة الحالية للسندات.
وقال يونكر إنه يتوقع نسبة مشاركة مرتفعة في الاتفاق لكن بعض حملة السندات قد يخيب أمله بسبب الشروط الجديدة.
وقالت اليونان إنها ستقر تشريعا يسمح لها بفرض الخسائر على حملة السندات الذين يمتنعون عن المشاركة.
البنوك المركزية
وستلعب البنوك المركزية في منطقة اليورو أيضا دورها في خفض الدين.
فقد قال بيان لمجموعة اليورو إن البنك المركزي الأوروبي سيتنازل عن الأرباح التي حققها من شراء السندات اليونانية خلال العامين الماضيين لصالح البنوك المركزية الوطنية لكي تنقلها حكوماتها إلى أثينا لتحسين مستوى تحمل الدين العام اليوناني.
وقد أنفق المركزي الأوروبي نحو 38 مليار يورو على سندات حكومية يونانية أصبحت تساوي الآن نحو 50 مليار يورو.
وقالت أثينا يوم السبت إن من المتوقع أن تبدأ مبادلة السندات في الثامن من مارس وأن تكتمل بعد ثلاثة أيام. وهذا يعني إعادة هيكلة مدفوعات السندات البالغة 14.5 مليار يورو المستحقة في 20 مارس وهو ما سيجنب اليونان التخلف عن السداد.
وستستخدم الغالبية العظمى من أموال الإنقاذ التي تبلغ 130 مليار يورو لتمويل مبادلة السندات وضمان استقرار النظام المصرفي اليوناني. ولن تخصص مبالغ تذكر من البرنامج لدعم الاقتصاد اليوناني بشكل مباشر.
انكماش اقتصادي حاد
وتتخبط اليونان في انكماش اقتصادي حاد أدى الى تراجع اجمالي الناتج المحلي لخمسة اعوام متتالية، في موازاة استياء شعبي عارم من الاصلاحات المالية التي يطالب بها الدائنون.
وفي هذا الاطار، يشكك العديد من الاقتصاديين في ان تكون هذه الخطة الجديدة الفصل الاخير في الازمة اليونانية.
ويخشى هؤلاء ان تكون اثينا في حاجة سريعة الى اموال اضافية، او ان تجبر على الخروج من منطقة اليورو، اما لانها لن تتمكن من تحقيق الاصلاحات الموعودة واما لان التقشف سيبقيها غارقة في الانكماش.
ولتحقيق هدف ابقاء نسبة الدين العام ضمن سقف 120% من اجمالي الناتج المحلي، من دون زيادة قروض الحكومات المترددة، لجأ وزراء المال في منطقة اليورو الى حلول اخرى.
وقال مصدر حكومي ان مساعدة القطاع العام وكذلك جهود المصارف الدائنة تمت زيادتها.
ويقترن هذا الامر بخفض نسبة الفوائد على قروض الجهات العامة لليونان في اطار خطة الانقاذ الاولى التي اقرت في مايو 2010، اضافة الى اشراك المصارف المركزية الوطنية في منطقة اليورو في هذا الجهد. وقد وافقت المصارف على خسارة اكبر من المتوقع.
وكانت هذه العملية حساسة لان الجهد من جانب المصارف ينبغي ان يبقى طوعيا.
كما ان خطة شطب ديون اليونان ينبغي ان تبدأ الاربعاء لتجنب سقوط هذا البلد في الافلاس قبل حلول العشرين من مارس.
وتتجه الانظار ايضا الى صندوق النقد الدولي الذي يبدو مستعدا للمشاركة في المساعدة العامة البالغة 130 مليار يورو، ولكن بقيمة لم تحدد بعد.
من جهته، رحب رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي بالاتفاق في شأن اليونان واصفا اياه بانه اتفاق جيد جدا.
وقال أحيي التزام الحكومة اليونانية اعادة النمو والاستقرار. كذلك، رحب بالتزام الدول الاخرى (في منطقة اليورو) الاستمرار في مساعدة اليونان لتتمكن من العودة الى النمو وتأمين الوظائف.
بدوره، رحب رئيس الوزراء الايطالي ماريو مونتي بما اعتبره نتيجة جيدة لليونان والاسواق ومنطقة اليورو.