لم تتمكن المضاربات التي شهدتها الأسواق العالمية في نهاية شهر أغسطس من التعويض عن التراجع الحاد الذي سُجّل في بداية الشهر الماضي. فقد عكست حركة التداولات المتقلّبة في فصل الصيف لسلسلة متعددة من الاحداث التي خلّفت تأثيرات اقتصادية رئيسية، من بينها الحراك الشعبي الذي تشهده عدد من الدول العربية أو خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة. من هنا، تبرز بعض المبادلات والتطورات المثيرة للاهتمام عند التدقيق بالأداء الذي سجّلته مؤشرات داو جونز للسوق المالية الإسلامية.

أولاً، وفيما انخفضت أسعار النفط بنسبة تناهز 7% خلال شهر أغسطس، كان مؤشر داو جونز للسوق المالية الإسلامية في منطقة الخليج العربي الأقل تراجعاً مقارنة مع غالبية مؤشرات داو جونز للسوق المالية الإسلامية. فقد سجّل مؤشر داو جونز للسوق المالية الإسلامية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، والذي يقيس أداء الأسهم المتوافقة مع مبادىء الشريعة الإسلامية في كل من الكويت، المملكة العربية السعودية، البحرين، قطر، الإمارات العربية المتحدة وعمان، تراجعاً بنسبة 2.47% مع إقفاله على 1.118.95 نقطة. من جهته، أقفل مؤشر داو جونز في سوق دبي المالية تايتنز 10 على 2.000.37 نقطة، أي بتراجع نسبته 1.45%.

تجدر الإشارة إلى أن هذه النتائج تتناقض مع تلك التي سجلها مؤشر داو جونز للنفط والغاز في السوق المالية الإسلامية، والذي أقفل على 3.562.29، أي بتراجع نسبته 10.48%، ليسجّل بذلك أسوأ أداء بين مؤشرات داو جونز للقطاعات في السوق المالية الإسلامية.

ثانياً، أظهرت مبادىء الخدمات المصرفية الإسلامية قدرتها على تحديد معايير جديدة للمجال التقليدي، حيث سجّل مؤشر داو جونز للخدمات المالية في السوق المالية الإسلامية أفضل أداء بين مؤشرات القطاعات، وذلك مع تراجعه بنسبة 1.08% فقط. يجدر التنويه بأن القطاع المالي المتوافق مع الشريعة الإسلامية يحظّر عدداً من الممارسات المالية، ومنها:

ـــ عدم السماح للمصارف الإسلامية بالتعامل مع السندات التقليدية، وبالتالي فهي لا تحمل أية سندات للدول المتعثّرة مالياً مثل اليونان، إيرلندا والبرتغال. هذا الأمر ساهم بعض الشيء في حماية المؤسسات المالية الإسلامية من الذعر الذي اصاب السوق في أوائل شهر اغسطس.

ــ كذلك يحظّر بيع الاوراق المالية المقترضة (short-selling)، مع الإشارة إلى أن هذا الحظر تم اعتماده في الآونة الأخيرة من قبل كل من إسبانيا، فرنسا، إيطاليا، اليونان وبلجيكا بغية منع المضاربين وصناديق التحوط من دفع مؤشرات الأسهم لمزيد من التراجع.

ووفقاً للدكتور ناصر السعيدي، رئيس الشؤون الاقتصادية في سلطة مركز دبي المالي العالمي ورئيس العلاقات الخارجية في المركز، فإن الدول الغربية تدقق أكثر فأكثر في المبادىء المالية الإسلامية، حيث يتزايد عدد الاستراتيجيات التجارية التقليدية التي تعتبر ضارة باستقرار السوق المالية، وبيع الأوراق المالية المقترضة واحدة منها.

ويشكّل إعادة إحياء السندات الإسلامية أو الصكوك النقطة الثالثة الجديرة بالملاحظة. فخلال التقلبات التي شهدها شهر أغسطس، تمكن مؤشر أداء صكوك مجموعة سيتي غروب من تسجيل ارتفاعٍ بنسبة 0.43% مع إقفاله على 132.19 نقطة.

يُشار إلى أن المؤشر الوحيد الذي سجّل أداء أفضل من هذا الأخير، كان مؤشر داو جونز للسوق المالية الإسلامية في سريلانكا، والذي ارتفع بنسبة 1% مع إقفاله على 2.415.61 نقطة. كذلك، ساهمت بعض الإعلانات الأخيرة في حفز الطلب على الصكوك، ومنها إعلان شركة نخيل للتطوير العقاري في دبي عن إصدار صكوك بقيمة 1.63 مليار دولار اميركي، وإعلان بنك الهلال في أبوظبي عن إصدار صكوك إسلامية لمدة خمس سنوات بقيمة 500 مليون دولار أميركي.

ومع ذلك، لم تتمكن جميع مؤشرات داو جونز للسوق المالية الإسلامية من تجنّب التقلبات التي شهدها الشهر الماضي. فقد سجّل كل من مؤشر داو جونز للسوق المالية الإسلامية في باكستان ومؤشر داو جونز للسوق المالية الإسلامية في تركيا أكبر تراجع في اللائحة تخطّى عتبة 11%، مع إقفالهما على 14.102.51 نقطة و3.040.92 نقطة على التوالي. وعلى سبيل المقارنة، سجّل معدّل داو جونز الصناعي في نيويورك تراجعاً بلغت نسبته 4.36%، مع إقفاله على 11.613.53 نقطة.

لقد تميّز صيف العام 2011 بجمع مختلف المكونات الخاصة بالأوقات الصعبة: حروب، زلازل، خفض تصنيفات وتحذيرات الأرباح. ومع ذلك، فقد أثبت السباق المريح على المضاربات الذي انطلق في نهاية شهر أغسطس، بأن أسواق البورصة تتمتع بالسيولة وهي سارية المفعول رغم جميع التقلبات، حيث ان الأسواق تستعيد نشاطها دائماً، كما يؤكد بول كوستر الرئيس التنفيذي في سلطة دبي للخدمات المالية.

 يُشار إلى أن بعض العوامل المؤثرة لاتزال تُرخي بثقلها على السوق، ومنها تجنّب المخاطر في دول منطقة اليورو، ارتفاع نسب الديون السيادية في العالم المتقدّم، وتحويل أسواق الدول الناشئة على المدى الطويل إلى دول صناعية.