أثارت التخفيضات المتتالية للتصنيفات الائتمانية في أوروبا وأميركا مخاوف كبيرة في أوساط المستثمرين. وبعد أن كانت السندات الأميركية على مدى عقود طويلة بمثابة الأصول الأساسية التي تمثل بر الأمان للمستثمرين في الأسواق العالمية إلا أننا شهدنا في الأسبوع الماضي قيام وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز بخفض نظرتها المستقبلية المتعلقة بتصنيف الائتمان الأميركي من "مستقرة" إلى "سلبية" وتثبيتها عند مستوى أيه أيه أيه وهو ما يؤكد في نهاية المطاف تحول مركز القوة العالمية من دول الغرب إلى الشرق. كما شهدت التصنيفات الائتمانية في الدول الغربية تراجعاً ملحوظاً مع ارتفاع نظيراتها في الشرق. وتبدو الصين واليابان وبريطانيا أكثر المعنيين بالتحولات في الاقتصاد الأميركي إذ يبلغ مجموع ما تملكه هذه الدول الثلاث من السندات الأميركية نحو 3.8 تريليونات دولار. وقالت وزارة الخزانة الأميركية: إن الصين مازالت أكبر حائز للسندات الأميركية اذ بلغ مجموع حيازتها 1.61 تريليون دولار حتى نهاية يونيو. وأضافت الخزانة أن اليابان كانت ثاني أكبر حائز أجنبي، اذ بلغ نصيبها 1.39 تريليون دولار ثم المملكة المتحدة 798 مليار دولار حتى يونيو.
شكوك كبيرة
ويساور المستثمرين القلق حيال قدرة الدول التي تشمل البرازيل، وروسيا، والهند والصين على توفير بديل ملائم للسندات الأمريكية. واستناداً إلى هذه النقطة من المتوقع أن يواجه العالم خطراً أكبر في المستقبل نتيجة تنامي الافتقار للأصول الخالية من المخاطر مثل سندات الخزينة الأميركية. ومن ناحية أخرى، ثمة مشاكل تعكر صفو منطقة اليورو؛ وهناك مسؤولية تقع على عاتق المستثمرين في جميع أنحاء العالم لتكريس بعض انتباههم لهذه المسائل التي قد يطال تأثيرها جميع الأسواق العالمية؛ فكلما حاول الساسة الأوروبيون إعطاء الانطباع باقتراب حل جميع المشاكل العالقة، تعود هذه المشاكل لتطفو مجدداً على نحو أكثر تعقيداً. ويتجلى ذلك من خلال تداول سندات الحكومة اليونانية لأجل سنتين عند نسبة 22.2%، والذي أسهم جوهرياً في تقليص فرص إجراء إعادة هيكلة محتملة لديون البلاد. ويأتي ذلك عقب بضعة أشهر فقط من محاولة حكومات منطقة اليورو إقناع المستثمرين بقرب حل جميع المشاكل العالقة.
ضغوط سياسية
وقال غاري دوغان الرئيس الأول في الخدمات المصرفية الخاصة ببنك الإمارات دبي الوطني: تتجسد المشاكل التي تواجه منطقة اليورو في تعرّض العديد من الدول القوية لضغوط سياسية بهدف ثنيها عن تقديم العون المالي للبلدان الأضعف نمواً، والتي تسعى جاهدةً لاقتناص دعم سياسي يضمن لها الاستفادة من الزيادات الضريبية، ويتيح لها تطبيق برامج لتخفيض الإنفاق العام بغية السيطرة على عجز ميزانيات هذه الدول. وفي هذا السياق، أوضح جورجن ستارك، عضو مجلس الإدارة التنفيذي في "البنك المركزي الأوروبي" أن الوضع السائد قد يفرض ضغوطاً أكثر على النظام المالي بوتيرة تفوق ضغوط الأزمة المالية التي هزت العالم عام 2008. ومن المتوقع أن تبلغ حجم الديون اليونانية من أصل الناتج الإجمالي المحلي في العام المقبل حوالي 160%. وتبذل الحكومة اليونانية ما بوسعها لإنهاء مشكلة الديون عبر إعلانها الأسبوع المنصرم خصخصة عدد من أصول القطاع العام مثل الشواطئ العامة والقصور والمرافئ. وستكون الأسابيع القليلة المقبلة حاسمة بالنسبة للحكومة اليونانية التي تسعى جاهدةً لاعتماد سياسات موثوقة تقنع السوق بعدم ضرورة إجراء إعادة هيكلة لديونها.
تحد أكبر
وسيكمن التحدي الجديد على مدى الأسابيع القليلة المقبلة في التدهور المحتمل للبيانات الاقتصادية التي تظهر تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي نتيجة بروز التبعات السلبية لزلزال اليابان وارتفاع أسعار النفط. ومن المتوقع أن تنحدر مؤشرات الثقة الصناعية مع تباطؤ نمو الإنتاج الصناعي على نحو ملموس. ومن جهة أخرى، تبدو التحليلات الحالية الواردة من الشركات غير مواكبة لتوقعات أرباحها فيما يتعلق بوتيرة نموها المتباطئة، لاسيما وأن هذه التحليلات تنتظر تأكيد الشركات بشأن وقوع التباطؤ قبل قيامها بخفض توقعاتها للأرباح. كما ستواجه أسواق الأسهم الكثير من الظروف الصعبة على خلفية تخفيض المحللين الاقتصاديين سقف توقعاتهم بشأن النمو.
توجهات السوق
وتمثل اجتماعات بنك الاحتياطي الفيدرالي عاملاً حاسماً في تحديد توجهات السوق. حيث اقترح البنك في اجتماعه الأخير العمل على تهيئة الأسواق لمزيد من التقشف في السياسة النقدية في المستقبل. وأشار بن برنانكي رئيس البنك إلى أن أولى مراحل التقشف هذه من المحتمل أن تبدأ بالتوقف عن إعادة استثمار الأموال الناتجة عن تسديد السندات المستحقة. ومن الممكن أيضاً أن يتوجه البنك نحو رفع أسعار الفائدة في المستقبل القريب في حال تواصل النمو. ويعزى تراجع الدولار الأميركي جزئياً على الأقل إلى نية "البنك الاحتياطي الفيدرالي" بتبني سياسة نقدية مرنة للغاية وفي حال تأكيد هذه الخطوة من جانب البنك سيطرأ ارتفاع على الدولار بينما ستشهد الأصول مثل الذهب نشاطاً لجني الأرباح. وفي ظل غياب أي صعود للدولار، سيفرض التضخم المرتفع ضغوطاً تصاعدية على سعر الذهب الذي قفز إلى مستويات قياسية جديدة بلغ فيها سعر الأوقية 1536 دولارا في حين واصلت الفضة تسجيل أداء جيد لتستقر عند أعلى مستوياتها خلال 31 عاماً. ويعتبر ضعف الدولار، والمشاكل الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط والمخاوف الناجمة عن الديون ضمن منطقة اليورو وانخفاض تصنيف الديون الأميركية جميعها عوامل أسهمت بترسيخ حالة الريبة حيال الحفاظ على قوة الطلب الاحتياطي الاستثماري على الذهب.