في عام 2003، لم تكن "تسلا" سوى مشروعٍ يترنح على حافة الهاوية، يقوده فريقٌ اعترف صراحةً بأنه "لا يملك أدنى فكرة عما يفعله". لقد كانت تلك البداية محفوفة بـ 3 إخفاقات قاتلة كانت كفيلة بمحو الحلم من الوجود، وأجبرت الشركة على الوقوف وجهاً لوجه أمام مقصلة الإفلاس.

لم يكن المستثمرون يرون فيها سوى هدرٍ للمال، وكان إيلون ماسك نفسه يمنحها احتمال نجاح لا يتجاوز 10%.

هذه القصة ليست عن عبقرية ولدت جاهزة، بل عن كيف يمكن للمرء أن يراهن بكل شيء على "سيارة رياضية ببطاريات لابتوب" بينما يسخر منه العالم، ليصنع في النهاية أعظم قصة صعود في تاريخ التكنولوجيا بعد أن نجا من سقوط كان يُعتقد أنه محتوم.

قبل أن تتربع "تسلا" على عرش الـ 1.3 تريليون دولار، كان إيلون ماسك يضع توقيعه على شيكٍ لمهندس شاب في ستانفورد، كان الجميع يغلقون أبوابهم في وجه فكرته.

لم تكن السيارات الكهربائية "ترند" عالمياً حينها، بل كانت مجرد حلم مهووس في مخيلة "جي بي ستروبل" الذي كان يبني مركبات شمسية كهواية، قبل أن يلتقي بماسك الذي كان حينها قد خرج لتوه من صفقة بيع "باي بال" إلى "إيباي" بمبلغ 1.5 مليار دولار.

طائرة هيدروجينية

في غداء عام 2003، كان المشهد يضم عمالقة؛ هارون روزن وماسك. لم يكن ستروبل يخطط للحديث عن السيارات، بل كان مهووساً بطائرة كهربائية تعمل بالهيدروجين.

قوبل الاقتراح ببرود تام من ماسك الذي لم يجد فيه أي شرارة استثمارية. وبحركة مراوغة ذكية، قلب ستروبل الطاولة وطرح فكرته البديلة: سيارة رياضية تعمل بخلايا "لاب توب". هنا، تغير كل شيء؛ وبلا تردد، كتب ماسك شيكاً فورياً ليبدأ فصل جديد من التاريخ.

انضم ستروبل رسمياً في 2004 كموظف خامس وكبير مسؤولي التكنولوجيا. وبفضل هذا الدور، طور حزمة البطاريات المستخدمة في أول مركبة "رودستر"، حيث قام بتجميع نحو 7000 خلية بطارية معاً، مما وفر مدى يصل إلى 244 ميلاً، متفوقاً على كافة المنافسين في ذلك الوقت.

لقب "وز" تسلا

بحلول عام 2019، وفي بروفايل تحليلي لـ "بلومبرغ"، وُصف ستروبل بأنه "وز" تسلا (إشارة إلى ستيف وزنياك، العقل التقني وراء ستيف جوبز في أبل). يظهر اسمه على حصة ضخمة من براءات الاختراع المبكرة للشركة.

وبعد تسوية قانونية في عام 2009 لإنهاء نزاع مرير حول أصول الشركة، تم الاعتراف رسمياً بستروبل كمؤسس مشارك إلى جانب ماسك، ومارتن إيبرهارد، ومارك تاربينينج، وإيان رايت.

لا يعرف الكثيرون أن تسلا كادت تباع لجوجل في 2013 عندما كانت على وشك الإفلاس. يروي ماسك كيف اصطحب لاري بيج وسيرجي برين في تجربة قيادة لسيارة "رودستر"، لكن بسبب خلل تقني، تعطلت السيارة ولم تتجاوز سرعتها 10 أميال في الساعة.

ورغم هذا العرض التجريبي "الأسوأ في العالم"، كان مؤسسا جوجل لطفاء بما يكفي لتقديم استثمار أنقذ الشركة من الانهيار.

أيام الصراعات

يصف ستروبل سنوات تسلا الأولى بأنها "ممتعة لكنها مرهقة"، فقد اتسم تاريخ الشركة بالصراعات الداخلية والاقتراب المتكرر من الإفلاس. وفي حين عانت "سبيس إكس" من 3 إخفاقات متتالية للصواريخ بين 2006 و2008، كانت تسلا تعاني هي الأخرى من نزيف مالي.

ومع ذلك، وبحلول 2026، نجحت سبيس إكس في إعادة تعريف الطيران الفضائي، وساهمت في صعود ماسك ليصبح أول "تريليونير" في العالم.

اليوم، لا يكتفي ستروبل بما حققه، بل يركز على حل أزمة سلاسل التوريد. وعلى منصة "برين ستورم تك"، حذر ستروبل من أن شبكة الطاقة الأمريكية تعاني بالفعل تحت ضغط مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التي تلتهم الكهرباء لتغذية الطفرة التقنية الحالية، واصفاً وتيرة النمو والطلب على الطاقة بأنها "غير مسبوقة".

مسار جديد

بعد 15 عاماً، غادر ستروبل ليركز على شركته "ريدوود ماتيريالز" لإعادة تدوير البطاريات. جمعت الشركة أكثر من 2.3 مليار دولار من تمويلات استثمارية، وحصلت في 2023 على قرض مشروط ضخم بقيمة 2 مليار دولار من وزارة الطاقة الأمريكية، لتقدر قيمتها اليوم بنحو 6 مليارات دولار، مع شراكات مع عمالقة كـ "تويوتا" و"بي إم دبليو".

بعد عقدين من "اللعب بالنار"، يلخص ستروبل فلسفته لرواد الأعمال: "لا تبحث عن الأمان، بل ابحث عن المشكلات التي تستحق الحل". تجاهل المشككين، ولا تسمح لمنطق "السوق الرائج" بأن يقيد طموحك. ففي نظره، الندم الحقيقي لا يأتي من الفشل، بل من الحلم بأحلام صغيرة في عالم يحتاج إلى قفزات عملاقة.

إن رحلة ستروبل وماسك لم تكن مجرد صراع تقني في مرآب، بل كانت "اختباراً للمناعة ضد الفشل". في عالم يقدس النتائج الفورية، يذكرنا هذا الفريق بأن الابتكار الحقيقي يتطلب أحياناً "الغفلة عن الاحتمالات"، والتركيز فقط على المهمة التي يعتقد صاحبها أنها ضرورة عالمية.

ويظل ستروبل وفياً للروح الأولى: أن بناء المستقبل عملية شاقة تتطلب من المؤسس أن يكون مستعداً للمخاطرة بكل شيء.