شهد القرن السابع عشر بداية استخدام الأوروبيين لأسلوب إيداع العملات المعدنية الذهبية والفضية لدى الصاغة ووكلاء الرهونات، خاصة في إنجلترا وأوروبا. ومع تطور هذه الممارسة، ظهر «أمر الدفع» المكتوب الذي يُعد أول شكل مسجل للشيك، وكان ذلك في 16 فبراير 1659، حيث عُرفت هذه الأوراق آنذاك باسم «الأوراق المسحوبة» (Drawn Notes). لاحقاً، أصدر بنك إنجلترا أول دفتر شيكات مطبوعة عام 1830، قبل أن تنتشر على نطاق واسع في أواخر القرن التاسع عشر. في المقابل، تشير بعض المصادر إلى جذور أقدم لهذه الفكرة في الهند، حيث استُخدمت أوراق تُعرف باسم «أديشا» خلال فترة الإمبراطورية الماورية (321 ـ 185 ق.م). كما يرى آخرون أن أصل كلمة «شيك» يعود إلى الكلمة العربية «صك»، التي ظهرت في العصر العباسي قبل أكثر من ألف عام، حيث استخدم التجار في بغداد نظام «الصكوك» لتحويل الأموال من دون الحاجة إلى نقل الذهب، ما ساعدهم على تفادي مخاطر السرقة أثناء السفر إلى مناطق بعيدة مثل الصين أو الأندلس. وانتقل هذا المفهوم لاحقاً إلى أوروبا، وربما تطور اللفظ عبر اللغة الفرنسية وصولاً إلى الإنجليزية.

وُلد قبل الميلاد

وتذهب آراء أخرى إلى أن فكرة الشيك تعود إلى عصور أقدم بكثير، إذ استخدم تجار بلاد ما بين النهرين نحو 3000 قبل الميلاد ألواحاً طينية تُشبه السندات الإذنية، لتسهيل التجارة دون حمل النقود.

وفي أوروبا، انتشر استخدام الشيكات خلال القرن الثالث عشر، لا سيما في إيطاليا، حيث لجأ إليها التجار لتقليل مخاطر نقل الأموال. وكانت عائلة ميديشي من أبرز من نظموا هذا الاستخدام، ما أسهم في تأسيس الممارسات المصرفية الحديثة. لاحقاً، انتقلت الشيكات إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحقبة الاستعمارية، حيث كُتب أول شيك موثق عام 1681 على يد نيكولاس فان دام في نيويورك. وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت الشيكات جزءاً لا يتجزأ من التجارة الأمريكية، وقد أسهم إدخال الأوراق النقدية الفيدرالية في توحيد النظام المصرفي؛ ما جعل الشيكات في متناول عامة الناس. كما أسهم توسع خطوط السكك الحديدية والتلغراف في تسهيل استخدام الشيكات، إذ أتاح تحويلات أسرع وأكثر أمانًا. وبعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الشيكات هي الطريقة المفضلة للدفع لكل من الأفراد والشركات، مدفوعةً بازدهار الاقتصاد وصعود الطبقة الوسطى.

أرقام قياسية

سجلت الشيكات المصرفية في أمريكا أرقاماً قياسية؛ فقد أفاد الاحتياطي الفيدرالي أن عدد الشيكات المكتوبة في الولايات المتحدة ارتفع من 8.5 مليارات في عام 1952 إلى أكثر من 85 ملياراً بحلول عام 1995؛ ما جعلها طريقة الدفع السائدة في ذلك الوقت. وقد أحدثت الابتكارات الرئيسية خلال تلك الفترة، مثل تقنية التعرف الضوئي على الأحرف المطبوعة بالحبر المغناطيسي، ثورة في معالجة الشيكات؛ حيث سمحت للبنوك بأتمتة عملية مقاصة الشيكات؛ ما قلل بشكل كبير من وقت المعالجة وتكاليفها.

وحسب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بلغ عدد الشيكات المكتوبة في الولايات المتحدة ذروته في منتصف التسعينيات، ثم انخفض باضطراد منذ ذلك الحين، وبحلول عام 2009، انخفض حجم الشيكات إلى 33 مليار شيك، أي أقل من نصف ما كان عليه في ذروته. وفي عام 2023 لم يقم ما يقرب من نصف الأمريكيين بكتابة أي شيك، حيث حلت المعاملات الرقمية تدريجياً محل الشيكات. وقد وفرت بطاقات الائتمان والخصم، والخدمات المصرفية عبر الإنترنت، والمدفوعات عبر الهاتف المحمول للمستهلكين، طرقاً أسرع وأكثر ملاءمة لإدارة شؤونهم المالية.

مستقبل غامض

بناءً على ما سبق، يطرح بعضهم سؤالاً منطقياً: هل يأتي يوم تختفي فيه الشيكات؟.. لتأتي الإجابة من الخبراء: رغم أن المدفوعات الرقمية قد تفوقت على الشيكات في العديد من المجالات، فإن الشيكات لا يمكن أن تختفي تماماً؛ فهي لا تزال تلعب دوراً حيوياً في معاملات تجارية محددة، لا سيما في مدفوعات الشركات، حيث لا تزال 40 % من مدفوعات الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية تتم عن طريق الشيكات، التي مثلت منذ نشأتها القديمة وحتى دورها المعاصر في القطاع المصرفي الأمريكي، أداةً أساسيةً في تطور التجارة، ولا تزال تحتل مكانةً مميزةً ولها أهميتها الكبيرة في الاقتصاد.