رغم قلق بعض كبار التنفيذيين من أن العمل عن بُعد يضعف الروابط الاجتماعية ويقلل الابتكار، تكشف دراسة علمية طويلة أن الحقيقة مختلفة، وهي أن العمل من المنزل يجعل الموظفين أكثر سعادة وصحة، بل ويحافظ على إنتاجيتهم، وأحيانا يزيدها. ولكن الشرط الأساسي هو أن يكون العمل عن بُعد خيارا شخصيا لا فرضا إداريا.
بعد أكثر من خمس سنوات على موجة الإغلاق العالمية التي دفعت الملايين إلى العمل من منازلهم، ما زال الجدل قائما بين الشركات التي تريد عودة الموظفين إلى المكاتب وأخرى تتبنى المرونة، فيما يجد كثير من العاملين أنفسهم بين الخيارين.
دراسة امتدت أربع سنوات أجرتها University of South Australia أكدت ما كان يشعر به الموظفون بالفعل، الأداء والرفاه يتحسنان عندما يُسمح لهم بالعمل من المنزل. أبرز المكاسب كانت في التوازن بين العمل والحياة، فالتخلي عن التنقل اليومي وفر ساعات ومالًا، وساعد على توجيه الوقت إلى أنشطة مفيدة، ممارسة الرياضة، المشي، الهوايات، قضاء وقت أطول مع الأسرة، أو إنجاز شؤون المنزل بدل تكديسها في عطلة نهاية الأسبوع.
كما تغيرت العادات الغذائية إيجابيا؛ فالعمل من البيت زاد استهلاك الفواكه والخضروات والوجبات المنزلية، بدل الوجبات السريعة أو المكلفة في المكاتب. والأكثر لفتا أن العاملين عن بُعد حصلوا على نحو 30 دقيقة نوم إضافية كل ليلة. أظهرت أبحاث سابقة أن بيئة المكتب تحمل ضغوطًا خفية تؤثر في النوم، مثل القلق المرتبط بالعمل، ومع تقليل الاحتكاك المكتبي والتنقل، شعر الموظفون بطاقة أعلى وضغط أقل.
أما المخاوف الإدارية حول الإنتاجية، التي يرددها قادة شركات كبرى، فقد ردت عليها الدراسة بوضوح، وهي أن العمل من المنزل لم يضر بالأداء، بل ظل مستقراً أو تحسن في كثير من الحالات. بعد أربع سنوات من البحث، يؤكد العلماء أن العمل من المنزل يجعل الناس أكثر سعادة، حتى في مواجهة مقاومة بعض المديرين. شملت الدراسة آلاف الموظفين من 2020 إلى 2024، ورصدت المزاج، النوم، التوتر، الإنتاجية، وجودة العلاقات. النتيجة واضحة: من يعمل عن بُعد جزءًا من الأسبوع على الأقل يشعر براحة أكبر في حياته، ليس شعورًا بالنشوة، بل حياة أقل ضغطًا وأكثر انتظامًا.
أظهرت إحدى الدراسات الحالة لشركة استشارات عالمية في 12 دولة أن الموظفين الذين اعتمدوا النظام الهجين شهدوا انخفاضًا كبيرًا في التوتر، تحسنًا في النوم، وزيادة في ممارسة الرياضة، مع وعي أطفالهم بمواعيد دوامهم. المنطق بسيط، تجنب التنقل اليومي، تناول طعام صحي في المنزل، واستخدام حمام خاص، يقلل من التوتر المتراكم، ويؤدي إلى قلق أقل، أيام مرضية أقل، واحتفاظ أعلى بالموظفين.
