لو قُدّر لـ«قارون» أن يعيش في عصرنا، لربما اندهش من فكرة أن ثروة هائلة يمكن اختزالها في بطاقة صغيرة تُحمل في الجيب، تتيح لصاحبها الوصول إلى أمواله في أي وقت. هذه هي البطاقات الائتمانية التي أصبحت اليوم من أساسيات الحياة، خصوصاً في عالم الأعمال، بعد أن غيّرت مفهوم الدفع والتعاملات المالية.

وتعود البدايات الأولى لبطاقات الائتمان إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال عشرينيات القرن الماضي، حين ظهرت بشكل محدود عبر بطاقات تصدرها المتاجر الكبرى وشركات النفط. لم تكن هذه البطاقات شاملة كما نعرفها اليوم، بل كانت مخصصة للاستخدام داخل جهة واحدة فقط، وتُعرف باسم «بطاقات الشحن»، حيث تتيح للعميل الشراء وتأجيل الدفع لفترة قصيرة أو بنظام تقسيط بسيط.

وفي عام 1946، شهد هذا المجال تطوراً مهماً مع ابتكار المصرفي جون بيجينز لنظام «Charge-It»، الذي يُعد أول محاولة لربط عمليات الدفع بالقطاع المصرفي، إذ سمح للعملاء بالشراء من المتاجر على أن يقوم البنك بتسوية المدفوعات لاحقاً.

جاءت الانطلاقة الحقيقية لفكرة البطاقة الائتمانية الحديثة عام 1949، حين خرج فرانك إكس. ماكنمارا، رئيس شركة «هاميلتون كريديت»، لتناول العشاء مع ألفريد بلومينغديل، صديقه القديم وحفيد مؤسس متجر بلومينغديلز، وكان برفقتهما رالف سنايدر، محامي ماكنمارا.

التقى الرجال الثلاثة في مطعم «ماجورز كابين غريل» الشهير في نيويورك الذي يقع إلى جوار مبنى «إمباير ستيت»، ثم انضم إليهم أحد عملاء شركة «هاميلتون كريديت» الذي كان قد اقترض مبلغاً من المال لكنه لم يتمكن من سداده، وكان مأزق هذا العميل أنه ترك عدداً من بطاقاته الائتمانية، التي كانت متوافرة في المتاجر الكبرى ومحطات الوقود، لجيرانه الفقراء الذين كانوا بحاجة ماسة إلى شراء بعض احتياجاتهم، ومقابل هذه الخدمة اشترط عليهم سداد ثمن المشتريات الأصلية إضافة إلى مبلغ آخر على سبيل الفائدة، لكن معظم جيرانه لم يتمكنوا من السداد في الفترة المحددة، فاضطر الرجل إلى الاقتراض من شركة هاميلتون الائتمانية.

عندما انتهى الجميع من تناول طعامهم مدّ ماكنمارا يده إلى جيبه ليدفع ثمن العشاء نقداً، لكنه اكتشف أنه نسي المحفظة في البيت، وللخروج من هذا الموقف المحرج اتصل بزوجته التي سارعت بالمجيء إلى المطعم ومعها المال، ومنذ تلك الليلة عاهد ماكنمارا نفسه على ألا يدع هذا الموقف يتكرر أبداً، ولمعت في رأسه فكرة جمع فيها بين أزمة ضيفه بسبب إقراض بطاقات الائتمان، وعدم توافر النقود معه هو شخصياً من أجل دفع ثمن الوجبة، وتساءل: لماذا لا تكون هناك بطاقة ائتمان يمكن استخدامها في أماكن متعددة؟

بطاقة واحدة تكفي

كانت حسابات الشراء بالتقسيط قد انتشرت في أوائل القرن العشرين، ومع اختراع السيارات والطائرات أصبح بإمكان الناس التنقل إلى متاجر متنوعة لشراء احتياجاتهم، وبدأت المتاجر الكبرى ومحطات الوقود تقديم حسابات شراء بالتقسيط لعملائها، والتي يمكن الوصول إليها باستخدام بطاقة، لكن كان على الناس حمل عشرات من هذه البطاقات معهم إذا أرادوا التسوق ليوم واحد، ففكر ماكنمارا في إمكانية الاكتفاء ببطاقة ائتمان واحدة، وعرض فكرته على بلومينغديل وسنايدر، فجمع الثلاثة رأس المال وأسسوا شركة جديدة عام 1950 أطلقوا عليها اسم «داينرز كلوب» مشتقاً الاسم من تجربته الشخصية بالمطعم، لتلعب دور الوسيط بين العملاء والشركات المختلفة؛ فبدلاً من أن تقدم الشركات الائتمان لعملائها الذين تصدر لهم الفواتير لاحقاً، تقدم «داينرز كلوب» الائتمان للأفراد بالإنابة عن الشركات، ثم تصدر الفواتير للعملاء وتدفع هي للشركات.

وبدأ ماكنمارا توزيع أولى بطاقات ائتمان داينرز كلوب عام 1950 على 200 شخص، كان معظمهم من أصدقائه ومعارفه، واستطاع إقناع 14 مطعماً في نيويورك بالفكرة، وللتأكيد كانت البطاقات الورقية - وليست البلاستيكية كما هي الحال اليوم، والتي ظهرت في ستينيات القرن الماضي - تحمل أسماء المطاعم التي قبلتها مطبوعةً على ظهرها. ومع إصرار ماكنمارا وإيمانه بفكرته لم ينته عام 1950 إلا وكان 20 ألف شخص يستخدمون بطاقة ائتمان «داينرز كلوب».

موضة عابرة

على الرغم من استمرار نمو سلسلة مطاعم داينرز كلوب وتحقيقها أرباحاً في العام الثاني بلغت 60 ألف دولار، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت، اعتبر ماكنمارا الفكرة مجرد موضة عابرة، وباع أسهمه في الشركة لشريكيه في عام 1952 مقابل أكثر من 200 ألف دولار، وكانت لا تزال مخصصة بشكل أساسي للسفر والترفيه، إلى أن ظهر في السوق منافس قوي؛ وهو بطاقات «أمريكان إكسبريس» في عام 1958، تلتها بطاقتان ائتمانيتان جديدتان؛ هما «إنتربنك»، التي سُميت لاحقاً «ماستر تشارج» ثم عُدل الاسم حتى اليوم إلى «ماستركارد»، وكذلك «فيزا بنك أمريكارد» الدولية.