وأنت تسحب بعض مالك من ماكينة الصراف الآلي، أو تجري عمليات الصرف أو الإيداع، سواء من داخل البنك أو عبر هاتفك الجوال؛ هل تساءلت يوماً: ماذا كان يفعل الناس بأموالهم قبل إنشاء البنوك؟ التاريخ يقول إن الناس كانوا يخزنون أموالهم في أوانٍ صغيرة وجرار ويضعونها في كوة داخل أحد جدران البيت، أو في القبو، أو حتى في حفرة بالأرض. لكن مع مضيّ السنين والعقود، ظهرت البنوك، التي كانت في صورتها البسيطة عبارة عن طاولة يبسطها أحد الصيارفة في الشارع أو في مكان عام أو في الميناء، ويجلس إليها ممارساً عمليات مصرفية بسيطة؛ من البيع والشراء والمقايضة بالحبوب والمحاصيل مقابل العملة السائدة وتقديم القروض ذات الفوائد إلى من يريد.. فما حكاية البشر مع المصارف والبنوك؟.... هذه حكاية أقدم خمسة من هذه البنوك في العالم.

الاقتصاد العالمي

ظهر أول بنك في العالم «مونتي دي باشي دي سيينا»، المعروف اختصاراً باسم «إم بي إس»، عام 1472 في مدينة سيينا التوسكانية، التي كانت جمهورية في ذلك الوقت. أُنشئ البنك في الأساس لتقديم القروض للفقراء والمحتاجين، لكن سرعان ما وسّع نطاق عملياته ليشمل جميع أنحاء البلاد بعد توحيد إيطاليا. وطوال أكثر من خمسة قرون ونصف القرن ظل البنك صامداً وواحداً من أعمدة الاقتصاد الإيطالي، بل كان بمثابة «حكومة محلية» تقوم بتمويل كل شيء في مدينة «سيينا»، إلى أن واجه مشكلات وعثرات تفاقمت عليه منذ الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد العالمي عام 2008، ما اضطر المسؤولين فيه إلى إعادة هيكلة رأس ماله، وبعد خمس سنوات من الأزمة، أي في عام 2013، أعلن البنك أن خسائره بلغت 730 مليون يورو، وبدأ خطوات جادة لجمع رؤوس الأموال من أجل تجنب الإغلاق. وفي شهر أكتوبر سنة 2014 حُكم على ثلاثة من مديريه السابقين بالسجن بسبب إخفاء معلومات عن البنك، الذي تبين أنه الأسوأ أداءً من بين 130 مصرفاً خضعت لاختبارات تحمُّل من قِبل البنك المركزي الأوروبي، حيث وُجد عجز في رأس المال بالميزانية بقيمة 2.1 مليار يورو (نحو 2.6 مليار دولار) ما دفع سعر سهم البنك للهبوط بنسبة 40%، وفي السابع من شهر نوفمبر من السنة نفسها، تم عرض البنك للبيع من أجل سد النقص في رأس المال الذي حدده البنك المركزي الأوروبي؛ وذلك من خلال عائدات حقوق إصدار بقيمة 2.5 مليار يورو، إلى جانب بيع أصول غير أساسية بقيمة 220 مليون يورو.

في عام 2024 باعت الحكومة الإيطالية 12.5% من البنك مقابل نحو 650 مليون يورو (704 ملايين دولار) كجزء من خطة حكومة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني لسحب استثماراتها من البنك. وحسب تقرير نشرته وكالة «بلومبرغ»، قامت إيطاليا ببيع 157.5 مليون سهم بقيمة 4.15 يورو للسهم الواحد، ليواصل بنك «مونتي دي باشي دي سيينا» صموده ويصنف رابع أكبر بنك تجاري وتجزئة في إيطاليا، ويملك الآن ما يزيد على ألفي فرع محلي و41 فرعاً عالمياً وقوة عاملة تقدر بنحو 26 ألفاً وأكثر من 5 ملايين من العملاء في إيطاليا وحدها.

«بيرنبرغ» الأقدم تجارياً

أما بنك «بيرنبرغ» فهو ثاني أقدم البنوك، وأقدم بنك تجاري في العالم. أسّسه الأخوان الهولنديان، هانز وبول بيرنبرغ في مدينة هامبورغ الألمانية عام 1590، وازدهر البنك خلال فترة ازدهار المدينة التي صارت مركزاً للنشاط المالي والتجاري في أواخر القرن السادس عشر. وعلى امتداد قرون حافظ البنك على أصالته بشكل ملحوظ، ولا يزال حتى اليوم مملوكاً جزئياً لأحفاد مؤسسيه الأصليين.

أول بنك مركزي

أما بنك السويد فهو أقدم بنك مركزي في العالم، تم تأسيسه عام 1668، على أنقاض «بنك ستوكهولم برانكو». وعلى العكس من البنوك التجارية، يتحكم البنك المركزي في المعروض النقدي ويصدر العملة الوطنية. أُنشئ البنك السويدي تحت إشراف مجلس طبقات الأمة «ريكسداغ» الذي كان آنذاك ثاني أعلى سلطة في السويد بعد الملك، وقد اتُخذ هذا القرار لمنع الملك من التدخل في شؤون البنك، إذ انهار البنك السابق بسبب ترك الإدارة الكاملة للملك؛ ما منحه حق طباعة كميات هائلة من الأوراق النقدية، فحدث التضخم. وعندما أُعيد تشكيل «الريكسداغ» عام 1866، تغير اسم البنك إلى بنك السويد المركزي، الذي كان الحفاظ على استقرار الأسعار من أولى مهامه. ويُحسب للسويد أنها أول دولة في أوروبا تُصدر أوراقاً نقدية. وقد نجحت في الصمود أمام الأزمة المالية، وهي اليوم صاحبة ثالث أقدم بنك في العالم.

بنك وشركة ومتحف

بنك وشركة «سي. هوار وشركاه» أسسه ريتشارد هوار بنكه في «تشيبسايد» بالعاصمة البريطانية لندن، عند لافتة «الزجاجة الذهبية»؛ حيث كان الناس يميزون الشوارع بأسماء المحال والشركات قبل ابتكار ترقيم الشوارع. تأسس «سي. هوار وشركاه» كشركة في 5 يوليو 1692، وسرعان ما تطور خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. في عام 1690 نقل هوار أعماله إلى شارع فليت، حيث يقع المكتب الحالي الذي يملكه ويديره أحفاده المباشرون. يتمتع البنك بتاريخ عريق، وشهد تغييرات كبيرة، منها إعادة بنائه في القرن التاسع عشر، وكان قد نجا من حريق في أثناء الحرب العالمية الثانية إثر إحدى الغارات الجوية. وهو أقدم بنك في المملكة المتحدة، ويشهد بذلك متحف خاص به سُمي باسمه «متحف سي. هوار».

«ميتزلر» بنك عائليّ

بعد عامين من تأسيس شركة «سي. هوار وشركاه» تأسس بنك «ميلتزر» أقدم بنوك ألمانيا، وهو متخصص في الخدمات المالية المستدامة، وإدارة الأصول وأسواق رأس المال، وتمويل الشركات، والخدمات المصرفية الخاصة. وكان مؤسسه، بنيامين ميتزلر، قد انتقل إلى مدينة فرانكفورت عام 1671 وعمل محاسباً قبل أن يؤسس شركته التجارية الخاصة.

في أوائل سبعينيات القرن السابع عشر بدأت الشركة تحولها إلى بنك من خلال التركيز على تقديم الخدمات المالية بدلاً من الوساطة المالية. في عام 1986 تحول البنك من شركة تضامن إلى شركة مساهمة لتعزيز رأسماله واستقلاليته. وقد سار البنك على نهج ثابت، وأصبحت استقلاليته سمة مميزة له، وإلى الآن لا تزال عائلة ميتزلر تلعب الدور الأهم في ملكية البنك، وإن كان يضم شركاء إداريين متعددين من خارج العائلة.