عاد النقاش حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل إلى الواجهة بعد تصريحات مؤسس مايكروسوفت بيل غيتس، الذي توقع أن تقل الحاجة إلى العنصر البشري في عدد كبير من الوظائف مع استمرار تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل.

وبحسب الطرح المنسوب لغيتس، فإن بعض المهن قد تكون أكثر قدرة على الصمود أمام هذا التحول، وعلى رأسها المبرمجون، ومتخصصو قطاع الطاقة، وعلماء الأحياء، في إشارة إلى أن هذه المجالات تعتمد على مهارات تحليلية ومعرفية يصعب استبدالها بالكامل بالأنظمة الآلية في الوقت الحالي.

وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع تداول تقارير تشير إلى أن شركة مايكروسوفت أدرجت قائمة تضم 40 وظيفة تُعد الأكثر عرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، من بينها المترجمون، والمفسرون، والرياضيون، والصحفيون، وهي وظائف تعتمد بدرجة كبيرة على المهام المتكررة والمعالجة المعيارية للمعلومات.

الذكاء الاصطناعي.. التأثير يطول المهام لا المهن بالكامل

في المقابل، قدّم نموذج ChatGPT قراءة أكثر حذرا لمستقبل سوق العمل، مؤكدا أن التأثير الحقيقي للذكاء الاصطناعي لا يتمثل في إلغاء وظائف كاملة، بل في إعادة توزيع المهام داخل كل وظيفة.

وأوضح التحليل أن الخطر الأكبر يتركز في المهام:

المتكررة

القابلة للتنبؤ

سهلة التوحيد والأتمتة

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي بات بالفعل قادرا على أداء أجزاء من بعض الوظائف أو تقليل الحاجة إليها، لكنه في الوقت نفسه يساهم في رفع الإنتاجية وخلق مهام جديدة مرتبطة بالإشراف والتحليل والتطوير.

وظائف أقل عرضة للتأثير

وبحسب التقديرات نفسها، فإن بعض المهن تُعد أقل عرضة للاستبدال الجزئي أو الكامل، نظرا لطبيعتها العملية أو اعتمادها على التفاعل الإنساني المباشر، ومن أبرزها:

العاملون في المهن اليدوية مثل السباكة والكهرباء

العاملون في قطاع الرعاية الصحية، مثل الممرضين والمعالجين

بعض التخصصات العلمية التي تعتمد على البحث والتجربة

وأكد التحليل أن المجال الطبي، رغم استفادته من أدوات الذكاء الاصطناعي في التشخيص، لا يزال يعتمد على القرار البشري في المراحل النهائية من العلاج، وهو ما يعزز بقاء العنصر البشري في هذه المنظومة.

العلماء والإداريون ضمن الفئات الأكثر استقرارا

كما أشار ChatGPT إلى أن العلماء ما زالوا ضمن الفئات الأقل عرضة للخطر، نظرا لاعتماد البحث العلمي على الإبداع وصياغة الفرضيات والتفسير، وهي عناصر لا يمكن أتمتتها بشكل كامل.

وأضاف أن القيادات الإدارية ورواد الأعمال يتمتعون بدرجة أعلى من الحماية أمام الأتمتة، بسبب طبيعة عملهم التي تتسم بعدم اليقين واتخاذ قرارات عالية المخاطر، وهو ما يصعب على الأنظمة الذكية محاكاته بالكامل.

إعادة تشكيل سوق العمل بدلا من إلغائه

ورغم التحذيرات، رفض ChatGPT فكرة اختفاء مهن بعينها بشكل نهائي، مشيرا إلى أن التاريخ التكنولوجي يثبت أن الابتكار غالبا ما يعيد تشكيل الوظائف بدلا من إلغائها، مستشهدا بأن ظهور الحاسبات لم يُلغِ مهنة المحاسبة، وأن الإنترنت لم يُنهِ العمل الصحفي، بل غيّر أدواته وطبيعة ممارساته.

وفي هذا السياق، شدد على أن السؤال الأهم لم يعد يتعلق بما إذا كانت الوظائف ستختفي، بل بمدى قدرة العاملين على تطوير مهاراتهم بما يتناسب مع بيئة عمل تعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي.

تحولات في سوق العمل.. وظائف أقل وعدد موظفين أصغر

وتوقع التحليل أن يؤدي هذا التحول إلى تقليص حجم بعض الفرق الوظيفية، مع زيادة إنتاجية الفرد الواحد بشكل ملحوظ، فعلى سبيل المثال، يمكن لمحامٍ يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي تنفيذ مهام كانت تتطلب سابقا عدة مساعدين.

كما رجّح أن تظهر آثار هذه التغيرات في شكل:

انخفاض نسبي في عدد الوظائف المتاحة في بعض القطاعات

ارتفاع مستوى المنافسة في سوق العمل

تغيّر في طبيعة المهارات المطلوبة بدلًا من اختفاء الوظائف بالكامل

واختُتم التحليل بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يمثل قوة تحويلية كبرى في سوق العمل، تعيد تشكيل طبيعة المهن والمهارات المطلوبة، أكثر مما تؤدي إلى إلغائها بشكل مباشر.