لم يكن هاورد بافيت يسير على خطى والده وارن بافيت بالطريقة التقليدية التي قد يتوقعها البعض من ابن أحد أشهر المستثمرين في العالم. فبدلًا من أن يقضي حياته في مكاتب وول ستريت أو يكرس مسيرته لإدارة المحافظ الاستثمارية، اختار طريقاً مختلفاً قاده إلى الزراعة والعمل الإنساني والتصوير، كما انتُخب مسؤولًا عن إنفاذ القانون في إحدى مقاطعات ولاية إلينوي.
لكن هاورد الذي ابتعد نسبيا عن الصورة النمطية لوريث إمبراطورية مالية يجد نفسه الآن في قلب واحدة من أكبر مراحل انتقال القيادة في تاريخ "بيركشاير هاثاواي".
ففي 18 سبتمبر 2026، تخلى وارن بافيت، البالغ من العمر 96 عاما، رسمياً عن منصب رئيس مجلس الإدارة ليصبح رئيسًا فخريًا، مع بقائه عضوًا في مجلس الإدارة. وفي المقابل، انتُخب ابنه هاورد رئيسًا لمجلس الإدارة، بعد أن أمضى 33 عامًا عضوًا في مجلس إدارة الشركة.
لكن هذا الانتقال لا يعني أن هاورد أصبح المدير التنفيذي لإمبراطورية والده. فالإدارة التنفيذية للشركة أصبحت في يد غريغ أبيل، الذي قال بافيت إنه يتولى بالفعل القرارات المهمة وإدارة الشركة. أما مهمة هاورد فتختلف؛ إذ يرى والده أنه الشخص الذي سيتولى حماية ثقافة "بيركشاير هاثاواي" وقيمها، وهي مسؤولية وصفها بافيت بأنها تتجاوز في أهميتها قيمة الأصول الموجودة في ميزانية الشركة، وفقا لـ "fortune".
من هو هاورد بافيت؟
هاورد غراهام بافيت هو الابن الأوسط لوارن بافيت، ويبلغ من العمر 71 عاماً. وعلى الرغم من ارتباط اسمه منذ وقت مبكر بإمبراطورية والده، فإن مسيرته المهنية لم تكن نسخة من مسيرة الملياردير الذي صنع ثروته من الاستثمار.
دخل هاورد مجلس إدارة "بيركشاير هاثاواي" عام 1993، وبذلك أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل الشركة قبل أن يتولى رئاسة مجلس إدارتها. ووفقًا لوارن بافيت نفسه، فإن هذه الفترة كانت بمثابة تدريب طويل، بل أطول من الفترة التي قضاها هو نفسه عضوًا في مجلس الإدارة قبل أن يتولى قيادة الشركة وهو في الرابعة والثلاثين.
وخارج "بيركشاير هاثاواي"، ارتبط اسم هاورد بالزراعة والأعمال الخيرية والقضايا الإنسانية والحفاظ على البيئة. وكان رئيسًا ومديرًا تنفيذيًا لمؤسسة Howard G. Buffett Foundation منذ عام 1999، وهي مؤسسة تركز على قضايا إنسانية وحفظ البيئة.
ويدير هاورد مزرعة عائلية تبلغ مساحتها نحو 1500 فدان في مدينة بانا بولاية إلينوي، وهي ليست مجرد نشاط جانبي في حياته، بل جزء من اهتمام طويل الأمد بالزراعة والمحافظة على التربة. كما ترتبط مؤسسته بمزارع أبحاث تمتد على أكثر من 1500 فدان في أريزونا وأكثر من 9200 فدان في جنوب أفريقيا، حيث تُجرى أعمال مرتبطة بالزراعة والأمن الغذائي والمحافظة على الموارد.
كما يمتلك خبرة في عالم الأعمال، إذ سبق له العمل في القطاع الخاص وشغل مناصب تنفيذية، إلى جانب عضويته في مجالس إدارات شركات أخرى.
ومن أكثر المحطات غرابة في مسيرة هاورد أنه شغل منصب "شريف" مقاطعة ماكون في ولاية إلينوي بين سبتمبر 2017 وديسمبر 2018.
وفي النظام الأمريكي، منصب "شريف" هو مسؤول منتخب عن إنفاذ القانون على مستوى المقاطعة، وهو منصب يختلف عن منصب رئيس الشرطة في المدن.
وهذه التجربة أضافت جانبًا مختلفًا تمامًا إلى سيرة الرجل الذي أصبح الآن رئيسًا لمجلس إدارة واحدة من أشهر الشركات في العالم. فمسيرته لم تكن محصورة في الاستثمار أو إدارة الشركات، بل امتدت إلى الزراعة والعمل المحلي والعمل الإنساني.
حياة مختلفة عن والده
ربما تكمن المفارقة الأكبر في أن هاورد لم يسعَ إلى أن يصبح نسخة أخرى من وارن بافيت.
فهو يدير مزرعة عائلية في ولاية إلينوي، وارتبط اسمه بالزراعة المحافظة على التربة، كما شارك في مشروعات ومبادرات تتعلق بالأمن الغذائي والعمل الإنساني وحماية البيئة.
كما عرف عنه اهتمامه بالتصوير الفوتوغرافي، وخصوصا توثيق الحياة البرية ومناطق مختلفة حول العالم.
هذه الخلفية تجعل انتقاله إلى قمة "بيركشاير هاثاواي" أكثر إثارة للاهتمام؛ فهو لا يدخل الشركة باعتباره مستثمرًا آخر على طريقة والده، بل باعتباره شخصًا أمضى سنوات طويلة في التعرف إلى الشركة وثقافتها من داخل مجلس إدارتها، بينما بنى في الوقت نفسه مسيرة مختلفة تمامًا خارجها.
لماذا اختاره والده؟
في رسالته إلى مساهمي "بيركشاير هاثاواي"، قال بافيت إن غريغ أبيل يدير الشركة، بينما ستكون مهمة هاورد هي حماية ثقافتها وقيمها. وأشار إلى أن هاورد أمضى 33 عامًا عضوًا في مجلس الإدارة، وهي فترة وصفها بأنها أطول من فترة «التدريب» التي قضاها بافيت نفسه قبل تولي زمام الشركة.
وهذا يعني أن هاورد لا يرث منصب والده التنفيذي، ولا يتولى قرارات الاستثمار اليومية، وإنما يشغل موقعًا مختلفًا داخل منظومة الخلافة، فبعد عقود من ارتباط بيركشاير هاثاواي" باسم وارن بافيت، تصبح المحافظة على الطريقة التي تُدار بها الشركة وثقافتها الداخلية جزءًا أساسيًا من مرحلة ما بعد بافيت.
غريغ أبيل يتولى الإدارة
وفي الوقت نفسه، فإن انتقال وارن بافيت من رئاسة مجلس الإدارة لا يعني فراغًا في القيادة التنفيذية.
غريغ أبيل هو الرئيس التنفيذي للشركة، وبحسب رسالة بافيت، فقد كان يتخذ القرارات المهمة بالفعل لفترة من الوقت، وأكد بافيت ثقته في الطريقة التي تولى بها أبيل مهامه.