في ذكرى مرور 150 عاما على ميلاد المهندس الأسطوري فرديناند بورشه، التي مرت في سبتمبر الماضي، تتجدد الأسئلة حول إرثه الذي لا يزال حاضرا بقوة في قلب صناعة السيارات الحديثة، بين إنجازات هندسية ثورية وجدال تاريخي معقّد ارتبط بمرحلة الحرب العالمية الثانية.
ولد بورشه في 3 سبتمبر 1875 في مدينة فْراتيسلافِيتْسِه ناد نيسو، الواقعة اليوم في جمهورية التشيك، وكانت آنذاك جزءا من مملكة بوهيميا ضمن الإمبراطورية النمساوية المجرية.
ومع تفكك الإمبراطورية بعد الحرب العالمية الأولى، اختار بورشه في البداية أن يكون مواطنا تشيكوسلوفاكيا، قبل أن يُطلب منه لاحقا عام 1934 الحصول على الجنسية الألمانية في سياق عمله على مشروع "سيارة الشعب" (Volkswagen).
منذ شبابه، أظهر بورشه شغفا مبكرا بالكهرباء والهندسة، حيث عمل في ورشة والده، قبل أن ينضم إلى شركة "بيلا إيغر وشركاه" في فيينا وهو في سن الثامنة عشرة.
هناك، صمم أحد أوائل محركات العجلات الكهربائية (Hub Motor)، وهو ابتكار يُستخدم اليوم في بعض المركبات الكهربائية الحديثة.
لاحقا، انتقل إلى شركة "ياكوب لونر وشركاه"، حيث ساهم في تطوير واحدة من أولى السيارات الكهربائية المبكرة، المعروفة باسم Egger-Lohner Phaéton C2، والتي كانت تعتمد على 44 بطارية رصاصية بوزن إجمالي يقارب 550 كغ، ضمن مركبة بلغ وزنها الكلي نحو 1350 كغ.
وفي عام 1900، شارك بورشه في تطوير نظام "Lohner-Porsche"، الذي اعتمد على محركات داخل العجلات، ما أدى إلى إنشاء واحدة من أوائل السيارات التي استخدمت الدفع الكهربائي المتعدد.
ومن أبرز النماذج آنذاك سيارة "La Toujours Contente"، التي استخدمت نظام دفع رباعي كهربائي وبطارية بجهد 80 فولتا مكوّنة من 44 خلية، إلا أن وزنها الضخم الذي تجاوز 4 أطنان حدّ من كفاءتها رغم تحقيقها نجاحا في معرض باريس العالمي وحصولها على ميدالية ذهبية.
لاحقا، قدّم بورشه ابتكارا أكثر تقدما عام 1901 عبر نظام "Mixte Hybrid"، الذي دمج محرك احتراق داخلي من نوع دايملر مع مولد كهربائي لتشغيل المحركات الكهربائية، في خطوة تُعد من أوائل تطبيقات السيارات الهجينة في التاريخ، قبل أكثر من قرن من انتشار هذه التقنية عالميا.
في مسيرته المهنية، تنقّل بورشه بين شركات كبرى مثل "أوسترو-دايملر" و"دايملر-بنز"، حيث ساهم في تطوير سيارات سباق متقدمة، من بينها طرازات مرتبطة بسيارات "السهم الفضي"، وفي عام 1929، غادر الشركة بسبب خلافات حول توجهات التصميم، مؤكدا رؤيته القائمة على السيارات الخفيفة والصغيرة عالية الكفاءة.
وفي عام 1931، أسس شركته الهندسية الخاصة تحت اسم "Dr. Ing. h.c. F. Porsche GmbH"، والتي بدأت كمكتب استشارات هندسية قبل أن تتحول لاحقا إلى واحدة من أهم شركات السيارات في العالم، وخلال هذه الفترة، طوّر مشروع سيارة رياضية متوسطة المحرك لصالح اتحاد "أوتو يونيون"، الذي أصبح لاحقا جزءا من تاريخ سباقات السيارات الألمانية.
لكن مرحلة الثلاثينات حملت تحولا سياسيا حساسا في مسيرته، إذ ارتبط بورشه بمشروعات الحكومة الألمانية آنذاك، بما في ذلك مشروع "سيارة الشعب" الذي أطلقه أدولف هتلر، والذي أدى لاحقا إلى إنتاج Volkswagen Beetle، إحدى أكثر السيارات مبيعا في التاريخ.
وخلال تلك الفترة، ارتبط اسمه بمشاريع عسكرية وتطوير مركبات للجيش الألماني، وهو ما وضعه لاحقا في دائرة الجدل التاريخي.
وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، تم اعتقاله في فرنسا على خلفية تعاونه مع النظام الألماني واستخدام العمالة القسرية في بعض المشاريع المرتبطة بشركاته، وبقي محتجزا حتى عام 1949 قبل إطلاق سراحه بعد دفع فدية مالية.
في أثناء اعتقاله، واصل ابنه فيري بورشه إدارة الشركة، ليبدأ تطوير أول سيارة رياضية تحمل اسم الشركة، وهي Porsche 356، والتي شكلت نقطة التحول من شركة استشارات هندسية إلى شركة تصنيع سيارات مستقلة.
وفي عام 1949، دخلت شركة بورشه في شراكة تجارية مع فولكسفاغن، تضمنت اتفاقا لتطوير سيارة بيتل مقابل حقوق ملكية على كل سيارة تُباع، ما ساهم في ترسيخ اسم الشركتين عالميا خلال فترة إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب.
توفي فرديناند بورشه في 30 يناير 1951 متأثرا بالتهاب رئوي، قبل أشهر قليلة من تحقيق أول انتصار لسيارات بورشه في سباق 24 ساعة في لومان، وهو الحدث الذي دشّن لاحقا حقبة طويلة من الهيمنة في سباقات السيارات.
ورغم الجدل السياسي المرتبط بمرحلة من حياته، لا يزال يُنظر إلى بورشه كأحد أكثر المهندسين تأثيرا في التاريخ، إذ امتدت ابتكاراته من المحركات الكهربائية المبكرة إلى الهجينة، ومن تصميم السيارات الخفيفة إلى تأسيس فلسفة هندسية ما زالت تُلهم صناعة السيارات حتى اليوم.