إذا كنت تتابع نصائح المال والادخار على مواقع التواصل، فلا بد أنك سمعتها مراراً: توقف عن شراء القهوة كل صباح.

فبحسب واحدة من أكثر النصائح المالية تداولاً، يبدو أن بضعة دراهم أو دولارات تنفقها يومياً في أحد المقاهي هي ما يقف بينك وبين الثراء، عليك ان تصنع قهوتك في المنزل، وتستثمر الفارق، وتكرر الأمر لسنوات، لتجد نفسك على طريق الاستقلال المالي.

واللافت أن هذه الوصفة تُقدَّم أحياناً من أشخاص عاديين يخوضون، مثل غيرهم، تحديات الادخار والإنفاق، لكنها تتكرر على الإنترنت وكأن كوب القهوة هو الخطأ المالي الذي يفصل الأثرياء عن بقية الناس.

لكن الحقيقة أقل إثارة، وربما أكثر فائدة، فنعم، المصروفات الصغيرة تتراكم، والقهوة اليومية تكلف مالاً، تماماً مثل طلبات الطعام والاشتراكات والمشتريات العفوية، لكن المشكلة الحقيقية ليست في القهوة التي تشتريها، إنما بما تفعله ببقية راتبك.

فإذا كنت تدخر وتستثمر بانتظام، من غير المرجح أن يكون كوب القهوة الصباحي هو ما يهدد مستقبلك المالي، وإذا كنت تنفق راتبك بالكامل شهراً بعد شهر من دون أي خطة للادخار، فقد لا يحل التخلي عن القهوة المشكلة من أساسها.

ربما تكون النصيحة المالية الأصدق إذن: «ادخر أولاً، أنفق بوعي، واشرب قهوتك من دون شعور بالذنب».

أين المشكلة؟

الادخار للمستقبل ضرورة لا يمكن تجاهلها، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن وتزايد القلق بشأن القدرة على توفير حياة مريحة بعد التقاعد.

وبحسب استطلاع لـ«غالوب» ورد في المادة الأصلية، يتوقع 45% فقط من العاملين امتلاك ما يكفي من المال للعيش بشكل جيد خلال التقاعد، وحتى بين أصحاب الدخول الأسرية التي تبلغ 100 ألف دولار أو أكثر، يشعر 61% بهذا القلق.

لكن الخوف من المستقبل المالي أنتج بدوره نوعاً آخر من الخطاب، يقوم على إشعار الناس بالذنب تجاه مشتريات يومية بسيطة، وفي مقدمتها القهوة.

ويرى المستشار المالي بروس ماغين أن شراء القهوة يومياً لن يمنع الإنسان بالضرورة من التقاعد، لكن الخطر يكمن في الاعتياد على الإنفاق اليومي غير المدروس.

بمعنى آخر، ليست المشكلة في عملية شراء منفردة، إنما في النمط الذي تتكرر فيه عشرات العمليات من دون أن يعرف الشخص في نهاية الشهر أين ذهب راتبه.

ادخر أولاً

بدلاً من الانتظار حتى نهاية الشهر لمعرفة ما إذا كان هناك شيء يمكن ادخاره، يقترح الخبراء قلب المعادلة: الادخار أولاً، ثم الإنفاق مما يتبقى.

فإذا كان جزء محدد من الدخل يذهب تلقائياً إلى الادخار والاستثمار بمجرد استلام الراتب، تصبح بقية الميزانية أكثر وضوحاً، ويمكن للشخص أن ينفق منها على الأشياء التي يستمتع بها من دون أن يشعر بأن كل قهوة أو وجبة خارج المنزل تهدد مستقبله المالي.

ويقترح ماغين استهداف نسبة تصل إلى 20% من الدخل للادخار والاستثمار.

لكن هذا الرقم لا ينبغي أن يتحول بدوره إلى سبب جديد للشعور بالفشل، فإذا كانت نسبة 20% بعيدة عن إمكانات الشخص، يمكن أن يبدأ بـ3% أو 5% من راتبه، والعمل تدريجياً على رفعها.

فالمهم هنا ليس الوصول إلى الرقم المثالي منذ الشهر الأول، وإنما تحويل الادخار إلى عادة منتظمة.

اجعل الادخار «تلقائياً» مثل قهوتك

إذا كنت تشتري قهوتك كل صباح من دون التفكير كثيراً في الأمر، فلماذا لا يصبح الادخار عادة بالقدر نفسه؟

المستشار المالي إرني وينغارد يختصر الفكرة بالقول: «القهوة نفسها ليست الشرير.. المشكلة في الوضع التلقائي».

ويقصد بذلك أن المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنفاق تلقائياً، فيما يظل الادخار قراراً مؤجلاً إلى نهاية الشهر.

لذلك، ينصح باللجوء إلى الادخار التلقائي، بحيث ينتقل المبلغ المخصص للمستقبل قبل أن يكون متاحاً للإنفاق أصلاً.

وفي الولايات المتحدة، يمكن للعاملين الاستفادة من خطط التقاعد، إذ تُقتطع المساهمات من الراتب مباشرة.

كما يقدم بعض أصحاب العمل مساهمات مقابلة لجزء من المبالغ التي يدخرها الموظف، ما يضيف أموالاً إلى مدخراته التقاعدية.

ويمكن كذلك إعداد تحويلات تلقائية إلى حسابات التقاعد الفردية، بحيث ينتقل المال في موعد الحصول على الراتب وليس بعد إنفاق الجزء الأكبر منه.

فتش في بقية مصروفاتك

هذا لا يعني بالطبع أن المصروفات الصغيرة لا تستحق المراجعة.

إذا كنت غير راضٍ عن حجم مدخراتك، فربما حان الوقت للنظر إلى ميزانيتك كاملة، وليس فقط إلى الكوب الموجود في يدك.

هل تدفع مقابل خدمات بث متعددة لا تستخدمها باستمرار؟ هل لديك اشتراكات نسيت أنك تدفع ثمنها؟ هل هناك مشتريات متكررة لم تعد تمنحك المتعة أو القيمة التي دفعتك إليها في البداية؟

ويشير وينغارد إلى أن توفير 100 دولار شهرياً يمكن أن يصنع فارقاً كبيراً عندما يستمر لفترة طويلة.

وهنا تصبح الأولويات أكثر أهمية من الحرمان، فقد لا تستطيع الحصول على كل ما ترغب فيه والادخار في الوقت نفسه، لكن يمكنك اختيار الأشياء التي تستحق أموالك بالفعل، وإذا كانت القهوة الصباحية واحدة منها، فربما يكون من المنطقي الاحتفاظ بها والتخلي عن مصروف آخر لا يعني لك الكثير.